.jpg)
مَثَل الحياة، مَثَل مركب مليء بالعبيد. الكلّ محكوم عليه بالأعدام. والفارق هو بين مَن يجلس في كرسيّ الربّان، وبين مَن يَقبَعُ في عنبر القاع. من هنا، فالناسُ صنفان: واحد يرحل كأنّه ما كان، وآخر هو في الدنيا بَصمةٌ مدويّة، هي جواز عبوره الى التقدير في الحناجر وفي ضمير الوطن.
ستريدا جعجع فارسٌ أطلَ علينا ولا ندري في أيّ آفاق سيجول. هي من قيادِيّي الطليعة والمواجهة. مواقفها خمرٌ جديدة لها غيرُ طَعم وغيرُ دَبيب، يمتزج بها قلبُها حتى اذا ما عُصِرَ نَبضُها، يتعذَرُ أن ترى في الخمر ماء. هي مستسلمةٌ لعواصفَ هوج، تناسقت معها وكتبت بالدم والنار، فجاءت كلماتُها تُخَطُّ حَفرا لا بالحبر. هي امرأةٌ مغامرةٌ وراء الحدود، سالكةٌ أطرافَ المزالق ولكن من دون أن نخافَ عليها من السقوط، لأنها تُتَلَقّى بالقلوب كما يُتلقى بالسواعد صغارُ الأنبياء.
المرأةُ هذه ورشةُ فكر، وتراكُمُ أنشطة، وفتاةُ الأحلام الكبار، ممتطيةً طموحَها الجَوَاب، منعتقةً من أدرانِ الخوف لتكون كَوماتِ أشفار. تَعلَمنا منها انّ للوقفةِ سلطانا، كما تَشَامُخ الأرز، هي العنيدةُ في الحقّ لا تَلوي، والمتحمِّسةُ لحريةِ الحقيقة، بمَناكِبَ قويةٍ وغيرِ مُوارِبَة وغيرِ متأثِّرة بسوى الحق.
في التاريخ وجوهٌ طليعيةٌ كُوِّنَت بالقِيَم وجُبِلَت بالمَناقب، هي جزء من الزمن الآتي الذي لا يزول. من هنا، اعتلت ستريدا جعجع مسرحَ الأحداث من دون قناعٍ ولا مُصانَعة، ولقَّنَت الجيل أنّ اساليبَ الحياة تُبنى على الجرأة والعنفوان، فمشت الى الحرية خارجةً عن المُواضعة المُبتذَلة، متلمِّسةً وجهَ الحقيقة. شعارها: ما أعجزَ الأوطانَ إنْ ظلَت تُجَرِّر الخُذلانَ على أرضِها.
لقد حاولوا أن يغلبوها في الغدر، لكنها غلبتهم في القيمة. وأيّ أثر عظيم يتركه مَن يستطيعُ تبديلَ مفاهيم الغَلبة. ستريدا جعجع واحدةٌ من الذين أعادوا للزّعامةِ فِعلَها السحريَّ القديم.
يا سيدتي، أنا المَسحور بكِ، تقَبَّلي منّي عطرَ وردةٍ عذراء، عربونَ شكري لوجودِكِ بيننا.