#adsense

ماذا بعد الانتخابات البلدية… العودة إلى مربع التعطيل أم إعادة إنتاج السلطة؟

حجم الخط

أي مراقب للوضع السياسي في لبنان بعد الجولات الانتخابية البلدية الأربع يخلص إلى اعتبار ان الحياة السياسية على أفضل ما يرام، فالانتخابات لم تشهد ضربة كف واحدة، والاستقرار مستتب، والحكومة وأجهزتها نجحت بتنظيم انتخابات على مساحة البلد، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه: هل شكلت الانتخابات البلدية مجرد استثناء على القاعدة التعطيلية، أم ان الدورة السياسية ستعاود دورانها الطبيعي؟ وهل نتائج هذه الانتخابات ستدفع بعض القوى السياسية إلى إعادة البلاد إلى مربع التعطيل، أم ستساهم بتفعيل الحياة السياسية؟

لا شك في ان الأسابيع والأشهر المقبلة كفيلة بحسم المسار الذي ستسلكه الحياة السياسية تعطيلا أم تفعيلا، وبمعنى أدق إما ان المراوحة القائمة ستستمر وإما ستكسر لمصلحة إعادة تنشيط الحياة السياسية، لان خيار انتقال الحرب إلى لبنان غير مطروح لا محليا ولا إقليميا ولا دوليا، ولكن لكل اتجاه او مسار أسبابه الموجبة.

أولا، العودة إلى مربع التعطيل

يشكل الستاتيكو الحالي مصدر ارتياح لـ”حزب الله”، ولو لم يكن كذلك لما تردد بإسقاطه واستبداله، ودخوله في البلديات كان بسبب عدم تجرؤ أية قوة سياسية على تبني التمديد، كما اطمئنانه إلى وضعه داخل بيئته، خصوصاً ان كسر الستاتيكو يبدأ فعليا بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، الأمر الذي لا يبدو متاحا، وفق المعطيات الحالية، قبل الانتخابات النيابية، كما لا يبدو ان “حزب الله” في وارد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً ولا انتخاب غيره لتجنب الاصطدام بعون، وبالتالي الأمور تبقى عالقة في الحلقة الضيقة نفسها.

وقد جاءت النتائج البلدية في طرابلس لتدفع الحزب إلى التمسك بموقفه المتمثل بتجميد الوضع الحالي من دون انتخابات رئاسية ولا نيابية، لانه ليس في وارد إعطاء الوزير أشرف ريفي فرصة الفوز بتكتل نيابي وتشريع حالته السياسية، ولا في الوقت نفسه تعويم الحريري للالتفاف على ريفي، وبالتالي جاء التطور الجديد ليزيد من تصلُّب الحزب بالحفاظ على الستاتيكو الحالي.

ويخشى الحزب من هذه الحالة السنية الجديدة التي يعتبرها امتداداً للوضع السوري، سيما ان هذا المزاج، برأيه، لا ينسحب على كل السنة في لبنان، بل ينحصر في المناطق ذات التماس مع العمق السوري، ولكنه ليس بوارد الدخول في مجازفة نيابية يخرج معها ريفي بكتلة كبيرة واقتراع استثنائي لشخصه يجعله في موقع من يقرر هوية رئيس الحكومة المقبل وتوازنات هذه الحكومة، خصوصاً ان هذه الحالة ضده في السياسة وترفض العودة إلى منطق المساكنة معه، فضلاً عن انه لا يثق بقدرة “المستقبل” على مواجهتها في ظل أزمته المالية، وبالتالي يفضل ترحيل كل الاستحقاقات الدستورية حتى إشعار آخر.

ومن هنا جاءت الانتخابات البلدية لتضيف تعقيداً على التعقيدات القائمة، فإذا كانت حسابات الحزب الرئاسية قبل هذه الانتخابات مرتبطة بميلها الى عدم إيصال العماد عون إلى الرئاسة، فإنها ما بعد البلدية باتت مرتبطة بالوضع السني الذي انتصر فيه خط الصقور على خط الحمائم، سيما ان الخط الأول يتقاطع ويتكامل مع السياسة السعودية في المنطقة، فضلا عن ان الحزب يريد ان يترقب كيف ستتعامل المملكة مع هذا التطور على الساحة السنية-اللبنانية.

وتبعاً لكل ذلك لن يكون “حزب الله” على عجلة من أمره، بل يفضل التريث قبل اعتماد أي خيار والذي سيكون بالنسبة إليه بين السيئ والأسوأ، وما يساعده على التريث ان هناك متسعاً من الوقت حتى موعد الانتخابات النيابية في ربيع السنة المقبلة، ولكن الأكيد ان الانتخابات البلدية أسقطت فكرة تقريب موعد الانتخابات الذي لم يعد مناسبا للثنائية الشيعية نفسها والتي تريد ان تبعد عنها كأس المزاج السني وان تلتقط في الوقت نفسه أنفاسها بعد الانتخابات البلدية التي أظهرت وجود معارضة شيعية جدية، وعندما يحين موعد الانتخابات يتم التعامل معها تمديدا ام انتخابا.

ثانياً، تفعيل الحياة السياسية

وتنطلق وجهة نظر التفعيل وإنهاء حالة الفراغ من سببين أساسيين: السبب الأول يتصل بوضع “حزب الله” نفسه في ظل العقوبات الأميركية المالية المفروضة عليه وحاجته إلى تجديد مشروعيته في الداخل اللبناني وتدعيمها في مواجهة تلك العقوبات، حيث ان الحزب الذي يدرك استحالة التنصل من العقوبات او مواجهتها مباشرة او التعامل معها على قاعدة “علي وعلى أعدائي”، يرى ان الطريقة الوحيدة لتحصين وضعه تكمن في إعادة إنتاج سلطة تحظى بمشروعية شعبية وتتولى مهمة تظليله وطنيا بالقدر الممكن، كما بتظهير دوره أمام العالم بانه قوة استقرار في لبنان.

والسبب الثاني يتعلق بالتطور المستجد على الساحة السنية والذي يخشى معه “حزب الله” ان يتطور ويتفاقم ويتوسع، ويقول في قرارة نفسه لو أجريت الانتخابات البلدية في طرابلس قبل بيروت وصيدا لكان هذا التسونامي اجتاحهما أيضاً، وبالتالي استباقا لأي انتخابات تمأسس هذه الحالة يفضل العمل على تطويقها لثلاثة عوامل أساسية:

العامل الأول لانه اعتاد على “المستقبل” وطريقة عمله وحدود لعبته، وبالتالي يفضل مواصلة لعبة ال”بينغ بونغ” معه، خصوصاً انه جرب استبداله عندما أسقط حكومة الرئيس سعد الحريري وحصد ما حصده من نتائج، كما ان “المستقبل” برأيه ليس متطلباً بمعنى انه لم يقطع الحوار معه ولا المساكنة في الحكومة على رغم انه لم يقدم له شيئاً، بل شن حملة غير مسبوقة على الرياض، ولذلك يعتبر شريكاً مثالياً بالنسبة إليه.

العامل الثاني لأن الحالة التي يمثلها اللواء ريفي اليوم كانت هي نفسها التي مثلها “المستقبل” بين عامي 2005 و2008 قبل أن يضطر مختاراً إلى استخدام السلاح لتدجينها، وبالتالي يفضل تجنب الاصطدام مع الحالة الجديدة، سيما ان وضع السنة اليوم يختلف عن وضعهم في العام 2008 لجملة عوامل تبدأ من الصعود السني بفعل الأزمة السورية ولا تنتهي بتبدل السياسة السعودية من تدوير الزوايا الى رأس حربة في المواجهة، وبالتالي تلافيا لأي صدام حتمي بنظره يفضل إعادة تعويم “المستقبل”.

العامل الثالث لأن أولويته استمرار الوضع الحالي او الستاتيكو الذي نشأ مع حكومة الرئيس تمام سلام، وهذا الستاتيكو لا يمكن استمراره سوى في التعاون مع المكون السني بامتداده الإقليمي وتحديداً السعودي، خصوصاً انه يدرك ان تقدم الحالة الريفية يعني العودة بالوضع إلى ما قبل 7 أيار 2008 ولكن بظروف أفضل لمصلحة الحالة الريفية، ولذلك تجنباً لهذا الواقع سيحاول قطع الطريق على هذه الحالة.

وتأسيساً على ما تقدم، سيتجاوز “حزب الله” عقبة انتخاب العماد عون إلى حد التسريع بهذه الخطوة بالتعاون مع الرئيس الحريري الذي يشكل وصوله إلى السلطة مدخلا لإعادة تنفيس الجو السني وترتيبه تحت المظلة الحريرية بما يضمن استمرار الستاتيكو الحالي، فضلا عن ان الحريري سيكون لديه متسع من الوقت للالتفاف على الحالة الريفية قبل موعد الانتخابات النيابية.

فأي وجهة نظر هي الأصح؟ إبقاء الوضع على ما هو عليه من جمود وفراغ وتعطيل بانتظار انتهاء الأزمة السورية او التسوية في المنطقة، وعدم السماح بمأسسة الحالة الريفية التي ستذوب، بنظر الحزب، مع أي تسوية خارجية، وبالتالي لا حاجة لإعادة تنشيط الحياة السياسية، او تغيير قواعد اللعبة المعتمدة منذ الفراغ الرئاسي على غرار ما قام به الحزب مع تخليه عن حكومة الرئيس ميقاتي ليعيد الوصل مع الرئيس الحريري؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل