
في ظل المعلومات والتحاليل الديبلوماسية الغربية المتقاطعة والتي تفيد باعتبار الاشهر الاربعة المقبلة اشهر ساخنة في المنطقة خاصة في سوريا، تزداد المخاوف من اصابة الساحة اللبنانية بتداعياتها وارتداداتها لا سيما على خط مواجهة الهجمات الارهابية المحتملة لداعش والنصرة. ولا نزال نرى بعض سياسيي لبنان يتمتعون بترف التجادل والتنظير في اولويات انتخاب رئيس الجمهورية او انتخاب مجلس نواب وفق قانون انتخابي جديد اولاً ليتم من ثم انتخاب رئيس ومن ثم تشكيل حكومة جديدة…
اولاً: ما لا نفهمه بداية كيف يمكن لبعض هؤلاء ان يتكلموا عن اقتراح ومناقشة واقرار قانون انتخاب نيابي اولاً ومجلس نواب وفقاً للدستور ( المادة 75) يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة تشريعية يترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة من دون مناقشة او اي عمل آخر…؟ وكيف يمكن لمجلس نيابي مؤتمن على الدستور والنظام البرلماني ان يقبل بأن يدخل في مثل هذه الفضيحة الدستورية التاريخية؟
ثانياً: يفاجئنا البعض باقتراحات صادمة وخطيرة ليس اقلها تلك المبادرة التي يعتبر اصحابها بأنها تسوية للخروج من الفراغ الدستوري ومن حالة المراوحة المؤسساتية والسياسية. وقوام تلك المبادرة الاتفاق على قانون انتخابي ومن ثم اجراء انتخابات نيابية ومن ثم انتخاب رئيس للجمهورية وصولاً الى تشكيل حكومة جديدة… فكيف يمكن الاتفاق على قانون انتخابي في ظل تعدد وتباعد الصيغ المطروحة من الكتل النيابية المختلفة وانقسامها بين صيغة الرئيس بري من جهة وصيغة “القوات– المستقبل – الاشتراكي” من جهة اخرى وصيغ اخرى مختلطة وغير مختلطة لاحزاب وقوى سياسية اخرى؟
فمن يستطيع الاتفاق على قانون انتخابي جديد حري به ان يكون بامكانه الاتفاق على رئيس للجمهورية اولاً… هذا اذا كان ثمة امل بالاتفاق على قانون انتخابي جديد – وما التهديد بقانون الستين في حال عدم التوصل الى قانون جديد حتى نهاية المجلس الحالي الممدد لنفسه – الا في سياق محاولات رمي كرة العرقلة على الاخرين في حين ان المعرقلين الحقيقيين للحياة الدستورية وانتظام المؤسسات هم حزب الله وحلفاؤه وفي مقدمتهم الرئيس نبيه بري…
فاذا كان بالامكان جمع المجلس النواب لاقرار قانون انتخابات جديد على عقمه، فلماذا لا تنصرف الجهود بنفس الحماسة الى جمع شمل المجلس وتأمين النصاب لانتخاب رئيس للجمهورية – وهو الانتخاب الذي يأتي في اولويات الروزنامة الدستورية السليمة؟
ثالثاً: اذا كان بالامكان انتزاع تعهد من جميع الكتل النيابية بحضور جلسة انتخاب رئيس للجمهورية بعد اقرار قانون انتخابي جديد لانتخاب رئيس للجمهورية، فمن يضمن ان تفي بعض تلك الكتل بتعهداتها وهي لم يرف لها وللقوى السياسية التي تمثلها اي جفن من مخالفاتها المتعمدة للنصوص الدستورية ومن طعنها لاحكامه والانقلاب عليه وعلى كافة الثوابت والاسس التي قام عليها النظام منذ الطائف؟ لا بل لماذا لا ينتزع تعهد من الكتل بحضور جلسة انتخاب رئيس للجمهورية للانتقال من ثم الى تشكيل حكومة جديدة والولوج في مرحلة انتظام الحياة الدستورية والمؤسساتية؟
رابعاً: اعتدنا في لبنان ان نسمع بعض السياسيين والكتل النيابية وهم يتفوهون بكلام حق يراد به باطل. فمن الطبيعي ان لا نقبل بتمديد ثان لمجلس النواب الحالي عام 2017، بل لا نرضى الا بانتخابات للاتيان بمجلس نيابي جديد ولو بقانون الستين مع علمنا ويقيننا ان القانون الاخير قد يعيد انتاج نفس المعادلات السياسية الحالية تحت قبة البرلمان وان مع بعض الفروقات الناجمة عن بعض التحولات في المزاج الشعبي لدى بعض الطوائف والتي استشفت من الانتخابات البلدية والاختيارية الاخيرة في بيروت والشمال. لكن السؤال يبقى: هل اذا جرى انتخاب مجلس نيابي جديد نصل الى انتخاب رئيس للجمهورية ام الى الفراغ الكامل خاصة مع تحول الحكومة الحالية عند انتخاب مجلس جديد الى حكومة مستقيلة حكما تنحصر اختصاصاتها في تصريف الاعمال وفقا للمادة ( 69) من الدستور؟
وقبل كل هذا من يتولى اصدار القانون الجديد للانتخابات النيابية والمفترض ان يكون رئيس الجمهورية وفقا للمادة (56) من الدستور؟
ترف سياسي ونظري وكأن البلد بالف خير والمحيط الاقليمي في عز ازدهار – غير ابهين بالعواصف العاتية الزاحفة نحونا من المحيط الملتهب والمرشح للمزيد من الاتهاب والتفاقم والانحدار … والتي من المحتمل جداً ان تحاكي وجودياً وعضوياً تحديات داخلية مصيرية تتربص بنا ليس اقلها استمرار “حزب الله” في تورطه في سوريا مع تحوله الى قوة اقليمية عابرة للدولة اللبنانية يأتمر مباشرة من قوة اقليمية (ايران) ومنخرط في محور اقليمي يخوض اكثر من نزاع او حرب في المنطقة – والنزوح السوري المتزايد ومؤامرة توطين النازحين في لبنان البالغ عددهم الى الان ما لا يقل عن مليون ونصف نازح سوري مع ما يستتبع ذلك من اختلال اقتصادي وامني وديمغرافي خطير ووجودي في الداخل اللبناني – وصولاً الى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المحتضنة لاطراف ومنظمات دينية وعقائدية وسياسية وعسكرية واستخبارية متطرفة وموالية للخارج الاقليمي…
مشهد مقلق وخطير يحاصرنا وسياسيونا يبحثون في كل شيء الا في كيفية الخروج من الفراغ الدستوري وانتخاب رئيس للجمهورية اولاً…