#adsense

البطريرك الذي ثأر لاتفاق الطائف…

حجم الخط

يردد كبار السن من الموارنة حكمة مفادها أن الشعب الماروني ولد بمهمة ورسالة: المهمة ما هي سوى الحفاظ على الوجود المسيحي الحر في لبنان واستطرادا الشرق. والرسالة تعميم ثقافة العيش معا على قاعدة التعدد والتنوع والشراكة والتفاعل. ويضيف هؤلاء الكبار: في كل مرة شعر هذا الشعب أنه متروك لقدره ظهر راع يقوده إلى شاطئ الأمان، لأن العين الإلهية ساهرة دائماً على مسيرة الشعب الماروني.

في المرحلة التي غُيِّبت فيها القيادات السياسية المارونية، ودخل لبنان في نفق مظلم بفعل الاحتلال السوري الذي وضع نصب عينيه ضرب الحضور السياسي المسيحي كمقدمة للسيطرة على لبنان، برز دور البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي لولاه لما كان ممكنا الخروج من هذا النفق، إنما هذه الإرادة الخفية نفسها ما كانت لتترك لبنان الذي حظي آنذاك باهتمام فاتيكاني استثنائي من خلال الإرشاد الرسولي والزيارة التاريخية للبابا يوحنا بولس الثاني التي فعلت فعلها في النفوس وساهمت في تهيئة مناخات التغيير.

فالبطريرك صفير الذي اعتبر ان اتفاق الطائف يشكل مدخلا للحل وساهم في توفير الغطاء المسيحي لإقراره إلى جانب “القوات اللبنانية” شعر بانه تعرض للخيانة من خلال تراجع المجتمعين الدولي والعربي عن التزاماتهما برعاية تنفيذ هذا الاتفاق الذي تم تلزيمه للنظام السوري الذي استفاد من هذه اللحظة لسورنة لبنان وتحقيق حلمه التاريخي بضم لبنان إلى سوريا.

فتحول إخراج الجيش السوري إلى قضيته الأولى، ولم يأبه للتعقيدات والصعوبات المحيطة بهذا الملف والتي تبدأ من التخلي الدولي عن لبنان ولا تنتهي بغياب البيئة الحاضنة الوطنية الداخلية، فيما تحولت القوى الحزبية المسيحية المعارضة لهذا الوجود، وتحديدًا “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” إلى خارجة عن القانون، وبالتالي كان وحيدا في مواجهة سياسة التخلي الدولي والعربي والتسليم المحلي، وعلى رغم ذلك لم يتراجع قيد أنملة عن هدفه.

وفي المقابل حاولت سلطة الاحتلال استخدام شتى الأساليب والوسائل من أجل تليين موقف البطريرك صفير واستيعاب صرخته، ولكنها لم تفلح، بل حافظ على الوتيرة نفسها من دون ان يقفل الباب أمام وعود بالتغيير على غرار مطلع عهد الرئيس إميل لحود، حيث منح العهد الجديد فرصة جدية، ولكن سرعان ما تبين له ان ذاك العهد كان أسوأ مما سبقه، الأمر الذي دفعه إلى رفع الصوت مجددا وبشكل غير مسبوق.

وقد ساهم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في إسقاط البطريرك أي تحفظ بالدعوة لخروج الجيش السوري، لأن بعض الأصوات في الداخل كانت في معرض دفاعها عن الوجود السوري تعيب المطالبة بانسحابه قبل خروج الجيش الإسرائيلي.

ولأنه استثنائي بكل ما للكلمة من معنى لم يأبه لاتهامه بالانحياز إلى جانب فريق ضد آخر، بل جاهر علنا برعايته لقاء “قرنة شهوان” بسبب رفعه عنوان الخروج السوري من لبنان، وعندما كان يطالب من قبل فريق آخر بالمعاملة بالمثل كان يدعو هذا الفريق صراحة إلى تبني العنوان السيادي ليصار إلى معاملته بالمثل.

ولم يسمح الانقسام الوطني الذي تلى الخروج السوري، وتفرطع لقاء “قرنة شهوان” والقوى السيادية، ودخول البلاد في اصطفاف من نوع آخر حول موضوع سلاح “حزب الله”، في تكريم البطريرك صفير باعتباره بطريرك الاستقلال الثاني، لأنه لولا دوره في الداخل والخارج لما تبلورت معارضة مسيحية ولا وطنية، بل كان الجيش السوري ما زال في لبنان، وحتى الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان ما زال على قيد الحياة، لأن تقاطعه مع الحالة المسيحية السيادية أدى إلى سقوطه شهيدا، بل حتى شهادته لما كانت أثمرت ثورة في 14 آذار 2005، تلك الثورة التي ولدت في بكركي وتفجرّت في ساحة الشهداء.

فكل الاغتيالات في لبنان كانت مفاعيلها عكسية باستثناء اغتيال الشهيد الحريري، حيث كانت ترتد على الداخل بمزيد من الانقسامات والترسيمات، فيما استشهاد الحريري ولّد مشهدا وحدويا، وهذا الاستثناء مرده إلى ما زرعه البطريرك صفير على امتداد 15 عاما.

أعاد البطريرك أولا توحيد الصف المسيحي الذي لم يتوحد إلا في الحرب مع الجبهة اللبنانية ومؤخراً مع “اتفاق معراب”، خصوصًا أن كل هدف الاحتلال السوري كان اللعب على التناقضات المسيحية-المسيحية، والإسلامية-الإسلامية، والمسيحية-الإسلامية، وبعد توحيد هذا الصف أعاد ثانيا الوصل مع القوى الإسلامية بدءا من النائب وليد جنبلاط وصولا الى الشهيد رفيق الحريري.

فالبطريرك صفير هو الذي كان له الدور الأول والأساسي في إخراج الجيش السوري من لبنان، حيث أن صلابته وثباته على موقفه وتدرجه بشكل تصاعدي أدت إلى ولادة بيئة لبنانية حاضنة، وتفهم خارجي لموقف الكنيسة المارونية، الأمر الذي أوصل في التوقيت المناسب إلى تقاطع الداخل مع الخارج، ما أفضى إلى خروج الجيش السوري من لبنان.

ومن الواضح أن البطريرك صفير أدرك باكرًا أن إخراج الجيش السوري يتطلب الدفع بثلاثة اتجاهات: رفع الصوت عاليا ضد هذا الوجود، إنضاج الساحة الداخلية من خلال تحويل المطالبة بخروجه من مسيحية إلى وطنية، انتزاع تفهم خارجي لمساوئ استمرار هذا الاحتلال.

وفي موازاة هذا الدور التاريخي الذي يجعله صاحب الفضل الأساس في إنجاز الاستقلال الثاني، كان البطريرك صفير “صوت الذين لا صوت لهم”، وتحولت بكركي في عهده إلى منبر لكل إنسان، ولم يكن يكتفي برفع شكوى الناس في الإعلام، إنما يعمل على متابعتها مع المسؤولين والقيمين والعودة إلى صاحب الشكوى بالجواب الشافي أو المعالجة المطلوبة.

فكانت بكركي في عهده مرجعية وطنية ومرجعية لكل إنسان في آن معا، وكما نجح باختراق الحواجز الطائفية والمذهبية والتحول إلى ضمير لبنان، نجح بإعادة ترميم ثقة الناس بالبلد. وإذا كانت أبواب بكركي مفتوحة أمام الجميع، فإن صوت البطريرك كان يعلو ولا يعلى عليه.

وعلى رغم غضبه الشديد من التحالف الرباعي وإعادة إنتاج قانون انتخابات العام 2000 في العام 2005 او ما عرف بقانون غازي كنعان، إلا أنه لم يضع في المنزلة نفسها الفريق المسلح والفريق الأعزل، بل اعتبر أن الاحتلال السوري استمر بعد العام 2005 بأوجه مختلفة، وأنه لا يمكن بناء دولة في ظل سلاح خارجها.

وعلى الطريقة نفسها التي تعامل فيها مع لقاء “قرنة شهوان”، لم يتأخر عشية انتخابات العام 2009 بالتأكيد ان فوز فريق الثامن من آذار يؤدي الى مضاعفات كارثية، وهذا الموقف كان كفيلا بقلب الدفة لمصلحة 14 آذار، علما ان “حزب الله” كان متأكدًا من فوزه في الانتخابات واستكمال انقلابه العسكري في 7 أيار بانقلاب سياسي.

لم يساوم يومًا على موقف وطني، ولم يهادن لحظة واحدة في شأن مصيري، ولم يتراجع قيد أنملة عن ثوابت الكنيسة المارونية، ولم تفلح كل محاولات الترغيب والترهيب في ثنيه عن إطلاق مواقفه الوطنية. كان يبدّي وحدة الموقف على وحدة الصف، ولم يقارب القضايا الوطنية بمعيار عاطفي، بل بنظرة عقلانية مجردة لا تُأخذ بالعاطفة، وفي إحدى المرات قال لي تعليقاً على ما قلته بأنه لا يجوز وضع هذا الفريق في المنزلة نفسها لذاك الفريق “صحيح ما تقوله، لأن الشكوى اليوم هي من هذا الفريق بالذات، ولكن من يقول إن الفريق الآخر لن يستعيد سياسته السابقة التي كانت بدورها فيما مضى محط الشكوى نفسها”.

وفي سابقة تاريخية رفض ملاقاة البابا في زيارته إلى سوريا كي لا يسجل على بطريرك الموارنة أنه زار دمشق في حين أن معاناة رعيته وشعبه وأبناء بلده متأتية من هذا النظام، ومن دون أن ينتزع مقابل زيارته السيادة للبنان، بل زار كل أصقاع العالم حاملاً القضية اللبنانية مستنهضًا ومحرضًا الشعوب اللبنانية في الاغتراب  لحض المجتمع الدولي من أجل وضع لبنان في رأس سلم أولوياته.

إنه صاحب قضية اسمها لبنان، ومن أبرز أقواله التي تجسِّد مسيرة الموارنة في لبنان انه “إذا خيّر اللبنانيون بين العيش المشترك والحرية، فإن التاريخ يظهر أنهم لم يترددوا أبدًا، وخصوصًا المسيحيين من بينهم، في اختيار الحرية التي تشكل بالنسبة إليهم مبدأ لا يتزحزح”، لأنه في الحقيقة لا عيش مشتركاً من دون حرية.

وإذا كانت الحقبة التي شهدها لبنان بين عامي 1990 و2005 سوداء بامتياز، فإن دور البطريرك صفير حوّلها إلى مساحة أمل ورجاء وعبرة لكل من اعتبر، وأثبت أنه بالصلاة والإيمان والكفاح والنضال يمكن اجتراح المعجزات، حيث أنه لا يوجد في قاموس الموارنة وإنجيلهم مصطلحات من قبيل استسلام وخضوع وخنوع…

فلقد كتب البطريرك صفير فصلاً من فصول نضال الموارنة عبر العصور، وقدم مثالاً حيًا للأجيال الآتية، وأكد أن للموارنة مهمة ورسالة، وأن الصعوبات التي تعترض سبيلهم هي لامتحان صلابة إيمانهم بإلبقاء شهودًا للمسيح في هذا الشرق، وأن رياح العالم لن تزحزحهم من هذه الأرض.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل