#adsense

سندريلا عِلقانة بالدراما اللبنانية

حجم الخط

من كثرة ارتكاز الدراما اللبنانية على قصص الحب والعشق والخيانة إلى حدّ يمكن أن يسبّب لعياناً في المساء أو تنميلاً في طرف اليد اليسرى صباحاً، يحسّ المشاهد أحياناً أنه يكون مناسباً أكثر إذا ما تمّ تصوير كلّ المشاهد في كلّ المسلسلات داخل بَهو قصر أو فيلا، حيث يشترك المخرجون ويكرّرون تصوير مشهد فتيات جميلات يرتدين الفساتين من طراز “روكوكو” ويصفّفن شعرهنّ على طراز القرن الثامن عشر، ويرقصن على ألحان “شوبان” في حلقات الفالس والباروك.

تخايلوا أنه يمكننا ان نحقّق ذلك ونوفّر على المشاهدين لَبكة الريموت كونترول، ونلملم كميات الحبّ المقسّمة على أكثر من عمل ونجمعها في عمل واحد مشترك يسبّب فائضاً في مستويات التيستوستيرون والاستروجين التي يمكن أن يطفح من مكبّرات صوت التلفزيون.

مش معقول إلى أي حدّ يتعلّق صنّاع الدراما العربية بقصّة سندريلا، فلا يكاد يُبصر مسلسل جديد النور حتى نكتشف أنه يحتوي على كلّ عناصر النصّ والتلميحات والإستعارات الأدبية والسينارية من مكوّنات القصّة الخيالية التي تربّت عليها فتيات العالم.

ومثل سندريلا، ممثلات الدراما اللبنانية غارقات في فكرة البطلة المضطهدة التي تعيش قصة حبّ معقّدة، وتعاني، في القسم الأطول من العمل، الحسد والتسلّط والكراهية، وتنتظر فارس أحلامها الذي سيخلّصها من الظلم والحرمان لتعيش الرخاء والثراء، قبل أن ينتصر الخير في النهاية وينهزم الشرّ.

أكيد هناك بعض التعديلات في الشكل أكثر من المضمون، وخصوصاً لناحية تبديل اليقطينة التي حوّلتها الساحرة إلى عربة ملوكية إلى سيارة “رانج روفر”، وبوكِه الأزهار بجهاز “أيفون” الذي يمكننا أن نَأفرَه من رنّته الفريدة والمعمّمة على كلّ المسلسلات.

وبالطبع ليس لدينا اسكربينات زجاجية، لكنّ البطلات اليوم يعشقن ابتكارات “لوبوتان” التي تعدّ بمثابة اسكربينة العصر الكريستالية، ناهيك عن النظارات الشمسية “السينييه” التي يتمّ ارتداؤها أكثر ممّا يتمّ خلعها، فيحرمنا الممثلون والممثلات من تعابير وجوههم ونظرات عيونهم الكيوبريكية.

وإذا كنتم لا تتذكرون، ففي قصة سندريلا الأصلية نلاحظ أنه في الحفل الراقص تتقدّم فتيات من كلّ الجنسيات والممالك لنَيل فرصة الفوز بقلب الأمير… ونحن نطبّق هذا الشقّ بحذافيره من خلال “أورجي الجنسيات” التي تسبّب في أكثر من عمل تلبيكاً في المعدة وارتجاجاً في الفهم، خصوصاً أنّ الممثلين يبقون على جنسيتهم الأصلية من دون ان يضطر أيّ واحد منهم لتعَلّم لهجة جديدة وإضافة بعض المصداقية إلى السيناريو… خذوا على سبيل المثال مسلسل “يا ريت”، البطلة اللبنانية التي كانت متزوجة من مصري تُغرم بالبطل السوري الذي يقع بدوره في غرام الفتاة اللبنانية التي هي خطيبة الشاب اللبناني شقيق البطلة اللبنانية الذي يقع بدوره في غرام إبنة عمّة البطل السوري الذي عاش طفولته في الأردن قبل أن يهاجر إلى العراق… خلصصص… وبلا وجعة راس، الله وَكيلكن مشاهدة الحلقات تشبه كثيراً جلسة لوزراء الخارجية العرب.

ومثل “يا ريت”، تُعرض على الشاشات العربية أعمال لبنانية وعربية مشتركة لا تختلف عن بعضها سوى في بعض الأسماء في الجنريك، مثل: “مش أنا” و”وين كنتي” و”نصّ يوم” و”جريمة شغف”، والتي لا يخلع فيها الممثلون بدلاتهم وربطات أعناقهم أبداً، ولا تتنازل الممثلات عن كعب اسكربيناتهنّ ولَو على شطّ البحر.

ولا ينال المشاهد من متابعة الأعمال الدرامية العربية أي شيء يفيده في حياته العاطفية أو الاجتماعية، إذ انها لا تقدّم سوى مساحة ضيّقة تمارس فيها الجماهير Défoulement جماعي، ويتثنّى للكتّاب والمخرجين تفريغ كبتهم وأهوائهم من خلال أدوار وهمية وحبكات الترف والرخاء التي تخلقها صناعة الدراما الخيالية العربية.

كبَرو بقا… لقد حان الوقت لتطلقوا سراح سندريلا من دفاتر إبداعاتكم وتقدّموا للجمهور العربي أعمالاً تشبه واقعه وتداعب همومه وتعكس مشاكله.

المصدر:
الجمهورية

خبر عاجل