لبنان: حكومة جديدة وصراع مستمر!
في المبدأ انتهت ازمة تشكيل الحكومة، وصار ما تبقى من العقد عملية تقنية لتوزيع الاسماء على الحقائب، أو حتى اعادة النظر في بعض الحصص التي يفترض الاّ تعرقل قيام الحكومة. في المعلومات ان ازمة التشكيل انتهت بعدما تدخل الحكم السوري اثر (اتفاقه مع السعوديين والفرنسيين ) لدى الايرانيين تحديدا من أجل حمل "حزب الله" على اطلاق سراح الحكومة، وهو بدوره انهى مناورة الجنرال ميشال عون بشكل مرض لهما. ومع ولادة الحكومة المتوقعة غدا الاثنين ( ما لم يطرأ جديد) يمكن الخروج ببعض الخلاصات للمستقبل، مع العلم ان مسألة اعداد البيان الوزاري ستكون مناسبة لبعض التشنج بين منطقين متضاربين.
أولا، أرست ازمة تأليف الحكومة أعرافا جديدة لن يكون من السهل التخلص منها مستقبلا، وقد تتحول مع الوقت الى نصوص او اقله تصبح بقوتها. فالثلث المعطل هو في الحقيقة اعطاء الثنائي "امل " و"حزب الله" حق الفيتو في الحكومة تماما كما حصل في اعقاب غزوات 7 ايار 2008 التي ادت الى اتفاق الدوحة الذي بدوره اسس لهذا العرف. واعطاء "حزب الله" حق الفيتو في الحكومة معناه جعلها مجتمعة رهينة فريق يجمع بين الانتماء الى الشرعية الدستورية ومؤسساتها وامتلاك اطار غير شرعي وغير دستوري وغير مؤسساتي ينمو ويكبر ويتغذّى من ضعف الشرعية ومؤسساتها واستسلامها.
ثانيا، اظهرت الازمة عمق العلاقة بين التيار العوني و"حزب الله" وترسخها، حتى ان معلومات مسربة من داخل التيار، وما أمكن التحقق منها تماما، تتحدث عن اختراق الحزب له على مستوى الكوادر الوسيطة بشكل مباشر، ومن دون المرور بالجنرال عون نفسه. ومسربو المعلومات هذه يخشون ارتباط هذه الكوادر بعلاقات امنية الطابع لمصلحة الحزب. وللدلالة على عمق العلاقة ومتانتها استخدام "حزب الله" غطاء مسيحيا لعرقلة الحكومة ادى ثلاثة اغراض: الاول، تعطيل الحكومة لاكثر من 135 يوما متتاليا، والثاني تحاشي الاصطدام المباشر بالطائفة السنية، والثالث "توريم" واقع عون السياسي ومحاولة اختصار الازمة معه لسحق مسيحيي 14 آذار. وإذا كانت معركة وزارة الاتصالات التي خسرتها 14 آذار والرئيس المكلف قد دارت مع عون، فإن المعني الاول بها كان "حزب الله". وعودة الوزارة الى حضن "التيار الوطني الحر" مع جبران باسيل او غيره معناها عودتها للمرة الثانية الى حضن الحزب بكل ما يحمله الامر من مدلولات امنية داخلية وخارجية.
ثالثا، حقق "حزب الله" كل مطامحه المرحلية في ازمة الحكومة. فهو يدرك انه في الوقت الراهن بلغ الحد الاقصى الممكن بلوغه من دون النزول الى الشارع. فقد اثبت تحكمه في المعارضة مجتمعة، واثبت انه الطرف الوحيد القوي، يحاور مباشرة متى استدعت مصالحه، ويمتلك من القوة ما يخوّله التنازل عن المقاعد الامامية لمدة طويلة من دون ترك خيوط اللعبة تفلت من يديه. وعند الحاجة يعود ليذكر حلفاءه خصوصا، بأن المفاتيح بيده وليست بيد أحد آخر. هكذا كان عندما مشى الحزب في الصيغة الاخيرة التي عرضها سعد الحريري. رفض عون وحاول اطالة امد اللعبة لتحصيل مزيد من المكاسب المحلية الطابع تماما مثلما حاول في الدوحة في أيار 2008. جاء الضوء الاخضر السوري ولم يكن كافيا، حتى اشعلت طهران الضوء الاخضر بعدما تيقنت من ان تشكيل الحكومة لا يخسرها أياً من أوراقها الاقليمية الثمينة بوجود "حزب الله" داخل الحكومة وخارجها في آن واحد.
رابعا، في الايام الاخيرة عندما شغّل الحكم السوري محركاته بناء على وعود قطعها للسعوديين والفرنسيين، وقرر أن الحكومة يجب ان ترى النور، وان الحصة التي حازتها المعارضة صارت مقبولة، تبيّن لمراقبين ديبلوماسيين في بيروت ان دمشق ما استطاعت ان تحسم الامر إلا بعدما كادت الامور تتأزم بينها وبين طهران. فتأثير السوريين في البلد تبدل كثيرا في السنوات الاخيرة لينحصر بالقدرة على الايذاء الامني، او امتلاك وسائل للضغط على الايرانيين اما مباشرة واما بواسطة "حزب الله" المحتاج دائما الى عمقه الحيوي سوريا. انما يمكن من خلال متابعة دقائق الازمة الحكومية في ايامها الاخيرة الاستنتاج بأن العامل السوري تراجع كثيرا مقارنة بالعامل الايراني المتمثل بذراعه في لبنان. وهذا معطى ما بعد 2005 ويتأكد مرة جديدة رغم نجاح السوريين في بيع ولادة تشكيل الحكومة من السعوديين والفرنسيين.
في الخلاصة، ان تشكيل الحكومة بذاته يمكن سعد الحريري والاستقلاليين ان يعتبروه انجازا يتيح لهم إعادة جزء من الصراع الى المؤسسات بعيدا من الشارع. لكن امرا واحدا يبقى ثابتا هو ان الصراع في البلد كبير وكبير جدا، وكانت ازمة تشكيل الحكومة جولة من جولاته العديدة.