الحريري حقاً عاد
كثيرون سيدّعون أبوة انجاز تشكيل الحكومة. الامر بديهي بعد أكثر من خمسة أشهر من المعاناة التي دفعت بالرئيس المكلف سعد الحريري الى الاعتذار ثم معاودة محاولة التأليف التي بلغت اليوم منتهاها. بعضهم سيقول ان المعارضة التي لا تستحق هذه الصفة بعد اليوم، بل ستعود الى صفتها الاصلية أي الاقلية، هي التي أفرجت عن تأليف الحكومة بعدما أشترطت ومانعت وتطلبت حتى أخذت ما تريد، ولا سيما العماد ميشال عون الذي سمّي في أوساط الاقلية "المنتصر الأكبر". وآخرون سيقولون ان أبا هذه الحكومة هو التفاهم العربي المتجسد في الالتقاء السعودي – السوري المدعوم دولياً. وثمة آخرون سيشيرون الى أبوة "ضيق الوقت" الممنوح للرئيس السوري بشار الاسد كي يضغط على حلفائه في لبنان قبل الذهاب هذا الشهر الى باريس حيث سيسأل: "أين وعدك بتسهيل قيام الحكومة اللبنانية الجديدة؟" لكن من كل هؤلاء "الآباء"، لا بد من أن يكون هناك أب واحد حقيقي تمنحه الطبيعة كل مواصفات الأب الحقيقي. انه من دون تردد سعد الحريري شخصياً الذي اثبت على مدى شهور أزمة التأليف انه أبو الحكومة وأمها وكل ما يمت اليها بصلة القربى بفعل ما برهن عنه من صفات تمنحه هذا الموقع.
عندما كلف الحريري في حزيران الماضي بعد الانتصار الكبير الذي حققته قوى 14 آذار في الانتخابات النيابية، كُتب بالخط العريض في "النهار" يومذاك: "الحريري عاد الى رئاسة الحكومة". لقد كانت عبارة مشحونة بكل التراث العظيم الذي تركه الرئيس الشهيد، وموصولة بكل الآفاق الواعدة التي يرسمها الرئيس المكلف.
يجب أن يكون المرء متصفاً ببساطة تصل الى حد السذاجة ليظن ان رحلة سعد الحريري الحكومية ستكون سهلة، بمجرد صدور مرسوم التكليف. لقد كان واضحاً منذ ما قبل انتخابات 7 حزيران ان رهان القوى التي كانت ولا تزال أقلية بما تمثله من امتدادات اقليمية هو على انتصار ينهي قصة "ثورة الأرز" الى الابد، انطلاقاً من قاعدة جرى تحضيرها على مدى 4 أعوام بعد الوقفة المشهودة للشعب اللبناني في 14 آذار 2005. لكن الرهان سقط، وبكل تأكيد الى الابد. فاللبنانيون خيّروا ولا يزالون بين مشروعين: مشروع الحياة الحرة المستقلة ذات السيادة ومشروع الحياة المرتهنة لامبراطورية جديدة لا تتورع عن التضحية باللبنانيين من أجل حساباتها على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط.
كتب الكثير ولا يزال عن خفايا مرحلة ما قبل بلوغ قارب التأليف شاطئ الامان. لكن سيكتب ايضاً الكثير عن قارب العمل الحكومي الذي سيبحر في مياه لا أحد يعلم هل تكون مؤاتية أم لا.
النبأ السعيد اليوم ان في لبنان حكومة على رأسها سعد الحريري، بما يعنيه ذلك من آفاق جسّدها منذ عقود رفيق الحريري، فأذهل العالم عندما أخرج وطنه من رماد الحروب.
المشوار بدأ، وسيمنح اللبنانيين نور الكهرباء وفرص العمل وآفاقاً واعدة للاجيال الشابة. اللبنانيون جرّبوا فصدقت التجربة منذ أوائل التسعينات، واليوم الرهان على الصبر الطويل، وهو أطول بكثير من قدرة التعطيل. الحريري حقاً عاد اليوم.