#adsense

سيناريو قديم في فيلم إرهابي جديد

حجم الخط

انه السيناريو التقليدي الذي بتنا نحفظه غيباً، سيناريو التفجيرات والاغتيالات والغزوات والوسائط الاعلامية، منذ «فجر» حروب الآخرين والطغاة على لبنان في نهاية الستينات. تقريباً خمسون عاماً…

هذا السيناريو هو «مرشد» القتلة والميليشيات السابقة والحالية وكتابهم «الأثيري»: يبدأون بحملة اعلامية عبر أدواتهم «الاعلامية» المرتزقة ثم بتصريحات من أفواه «مسؤوليهم» (العملاء عادة) تضّخ التخوين والتحريض والتهديد… على الجهة المعنية المستهدفة. ثم يأتي التنفيذ: يهيئون الأجواء المشحونة، ويرتكبون جرائمهم. ثم المرحلة الثالثة: يتنصلون منها والمتهم جاهز: كان اسرائيل… ثم بات داعش. الارهاب يستجير بمثله لتغطية مرتكباته. عندما اغتيل الشهيد الرئيس رفيق الحريري استبق قتلته ذلك، بعاصفة تخوينية عليه، كمثل انه «عميل اسرائيلي» أو «يريد اسلمة لبنان» في مناخ تحريضي… سفيه. وعندما تم اغتياله كانت العدة جاهزة: هناك أبو عدس والحجاج الاستراليون ثم اسرائيل… فهذه الأخيرة أي اسرائيل صفّت «عميلها»… وهذا ما تكرر في مختلف عمليات قتل رموز 14 آذار… انها اسرائيل اذاً! وهنا دور الاعلام السيئ الذكر الذي يطبل ويزمر ويتبنى سيناريوات الاغتيال.. لإبعاد الشبهات عن مرتكبي الجريمة وتضليل التحقيقات والتي تشير أصابع الاتهام إليهم: بشار الأسد + خامنئي = تنفيذ حزبهما الالهي في لبنان.

اليوم، ولكي لا نطيل الكلام على «مآثر» الصحافة الكانتونية الفارسية بأقلامها «العروبية» السابقة أو «اليسارية» المهترئة نصل إلى التفجير الذي استهدف «بنك لبنان والمهجر» السيناريو ذاته، وحتى الألسنة والوجوه والصحف الحمراء ذاتها: سَبَق هذا التفجير حملة على حاكم مصرف لبنان والقطاع المصرفي، والمالي بحجة انه خضع للأوامر الأميركية بتجفيف منابع تمويل حزب الترهيب…. اتهامات، وتهديد وتخوين… من قبل الجهات نفسها التي قادت عملية قتل الحريري، ما سبقها وما تلاها.

ثم حدث التفجير. وهو من النوع «المُوقع» كالمجرم الذي يترك بصماته على مسرح الجريمة. «يكاد المريب يقول خذوني» جوقة حزب الله وخامنئي وبشار (أكبر أنظمة ارهابية راهنة في العالم). سحبت من أدراجها سيناريواتها السابقة (منها ما يعود إلى الزمن العرفاتي والوصاية السورية) وجردت «سيوفها» وحاولت تحويل الأنظار عنهم «صاحب التوقيع» والمتهم الذي بات جاهزاً وحاضراً بعد اسرائيل هو «داعش» (أي الارهاب: باعتبار ان خامنئي وبشار وحزبهما ليسوا ارهابيين»!) وهكذا نعيد قراءة بعض «نصوصهم» المنشورة في اعقاب التفجير: «هذه المرة ضرب الارهاب في القطاع المصرفي « اختار صاحب القرار باستهداف لبنان في هذه اللحظة الحرجة ضحيته النموذجية: واحداً من أكبر المصارف في لبنان (هكذا راحوا يمتدحون رفيق الحريري بعد اغتياله) … واختاروا هدفهم بدقة: ضرب الاقتصاد اللبناني عموماً مع تحميل المسؤولية لحزب الله، بحيث يرى اللبنانيون خطراً داهماً على أسباب عيشهم يضيف اثقالاً إلى ازمتهم الاقتصادية التي بين أسبابها الضغوط السعودية! أو الخليجية عموماً» (السفير، الاثنين 13 حزيران) . عصفوران أو أكثر بحجر واحد (اتهام السعودية وليس حزب الله بمسؤولية انهيار الاقتصاد بعد مغامراته ومعاداته العالم والعرب) وتأبين المصرف المضروب، ثم تبرئة حزب الله… من خلال اتهام داعشّ! شيء خرافي… عبقري! وتكمل منابر صحافية أخرى ما جاء في اعلام الحزب و«المنار« عموماً «الارهاب يضرب بنك لبنان والمهجر» وقع التفجير في لحظة اشتباك بين المصارف! من جهة وحزب الله من جهة أخرى! على خلفية العقوبات الأميركية بحق الحزب«. وتبرر «الصحيفة» «دوى الانفجار بعدما اوقفت الأجهزة الأمنية خلايا تابعة لداعش الارهابي« لتستخلص ..» ان موجة الاتهام السياسي مستفيدة من الأجواء السياسية التي سبقت الانفجار لكن الاتهام بقي محصوراً إلى حد بعيد في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي» (الاخبار 13 حزيران 2016) . ويذكر ان احد محرري «الأخبار» صرح في قناة الميادين بعد ساعة من الانفجار «ان داعش هو الفاعل»! عبقري والله! وان المستهدف قد تكون «جريدته» .!

…. المقاومة

لم تنته «المرافعة» هنا، بل كان، كما هو متوقع ان ننتقل إلى مرحلة جديدة يعلن فيها انتصار الحزب على المصارف، ومطالبة حاكم مصرف لبنان بضمانات للشيعة! هنا بيت قصيد آخر. جعل المسألة مذهبية: عدوان على الطائفة كلها باعتبار ان حزب الله هو حزب الطائفة كلها بلا منازع أي مالك أرواحها، وناسها ومالها وقراراتها: الحزب هو كل الطائفة واذا «استهدف» استُهدف مصيرها ووجودها وماضيها ومستقبلها! هذا ما درجنا على سماعه من الأحزاب ام الميليشيات المسيحية والاسلامية سابقاً: مزج الحزب بالطائفة، للتجييش والمصادرة والترهيب والتخويف. عال!

اذاً، فلتنقلب «فتنة» كبرى. وهذا يعني ان حزب الله لم يكتف بتحميل طائفته نتائج عمالته وحروبه في لبنان وسوريا والعراق واليمن والكويت والامارات والسعودية (خلاياه الارهابية)، بل يريد أن يحملها أيضاً التبعات الاقتصادية اللبنانية التي كان وراءها، ولقمة عيشهم ووجودهم. (عزل لبنان عن الخليج والعالم فضرب المواسم السياحية) وتعطيل كل مؤسسات الدولة من حكومة ومجلس نيابي وانتخابات رئاسية بكل ما تعكس من آثار سلبية على الاقتصاد…) … وكأن طائفته الكريمة هي التي اتخذت كل القرارات (حروب ارهابية في الخارج، تهريب مخدرات وكوكايين لتمويل جنونه وصولاً إلى النصاب صلاح عز الدين «مادوف» لبنان و»وزير مالية الحزب»!

تهويمات

لكن يرشح من كل هذه التهويمات الحزبية والصحافية ان هذا التفجير «الرمضاني» الناعم، والهدية الموضبة بالشوكولا وعصائر التمر الهندي وقمر الدين والسوس… ما هي سوى «رسالة». الله شكراً. هكذا قالت الناس جميعاً. رسالة تهديد. نذير … للمصارف، مضمونها ان هذه الرسالة ستتحول بركاناً وحرباً و7 أيار مصرفياً، وغزوات… دفاعاً عن مقاومة لم تعد موجودة إلا في قاموس أصحابها، اذاً «علي وعلى لبنان» هذا مضمون الرسالة. انه شمشون اليوم: واعداؤه العرب والاسلام السنة في كل مكان.. وزمان. وان تعميم العقوبات تدل على هذه الذهنية «الكانتونية»… لتكبير الحجر وتهيئة «هدية» أخرى يفطر عليها الصائمون: تفجير أكبر هذه المرة، يكون في مستوى رد هذا الحزب أو ذاك. (وهنا نتذكر حليف الحزب ميشال سماحة!) لأن الحزب الذي غزا الجبل واحرق بيروت وتلفزيون المستقبل، وجريدة «المستقبل» لا يمكن ان يكتفي بمثل هذه الرسائل الخالية من الدم. فنهر الدماء يسيل منذ أكثر من ثلاثين من بيئته إلى بيروت، إلى الجنوب، إلى سوريا، فإلى العراق، فإلى اليمن والسعودية: نهر متدفق من دماء شيعة لبنان ومسلمي العرب من دون أن ننسى تصفية بعض رموز 14 آذار… بل سيشهد أكثر من توقيع أحمر قانٍ…. فقد ينتقم لإيران ولنفسه للعقوبات من كل اللبنانيين، من كل المصارف سيسوي الليرة بالأرض… والتراب والوحل. لا «يلعبن» احدٌ معنا «فنجهل فوق جهل الجاهلينا« (ألا ترون معي ان هذا الحزب هو أكثر الأحزاب اللبنانية والعربية جاهلية؟).

الآتي أعظم

وعندما يوحي» ان الآتي أعظم» برسالته الناعمة، الحنونة، المشحونة بإيمان رمضان وصيامه وأيامه الفضيلة، فيعني ذلك انه يذّكر الجميع: ان الحزب الذي يضرب ركائز الدولة والكيان اللبناني وقيم الجمهورية والمؤسسات البرلمانية والحكومية والرئاسية قادر على اكمال «استراتيجيته التخريبية» وان لا شيء يردعه، لا مصالح طائفته ولا لبنان. ولا مشاعر «الوطنية» ولا احساساته الانسانية ولا روابطه الاجتماعية، فهذه كلها بالنسبة إلى الحزب «انشائيات» وبلاغيات افل زمانها وانقضى اوانها وهي وهم، واستيهام ومتخيلات وتهويمات، تجاوزها الحزب إلى مشروع أكبر من حدوده (الضفدعة التي تتوهم انها ثور)، ومن حجمه: المشروع الاسرائيلي الذي اقتبسه حرفياً أهل «الهلالات» الفارسية: تطويق العرب والسنة والأقليات وضرب كياناتهم ودولهم وتحويل تاريخهم إلى حروب مذهبية، تفكيكية، تقسيمية، (أو ليس هذا ما علمتنا اياه أدبيات «المقاومين» السابقين وصولاً إلى الحزب المذكور؟!

واذا كان لبنان تفصيلاً في الرؤيا «الحزبية» (تيمناً بالمشروع الإيراني) فلماذا لا نصنع منه مجرد تفاصيل فتبنى أولاً مقولة كل استعمار «فرق تسُدْ». لكن حتى هذه المقولة غير كافية. افصل كل شيء عن كل شيء: أي استفرد كل مؤسسة وعطل علاقاتها العضوية بغيرها: فمجلس النواب ينفصل عن الحكومة والحكومة عن رئاسة الجمهورية وهذه الأخيرة عن الدستور. اذا كان كل ذلك ما زال في مرحلة «التكتكة» فلأن الحزب ما زال يتربص جيداً لاختيار اللحظة المناسبة للانقضاض على هذا البلد. كان الانقضاض بالمفرق والتقسيط ليكون بعدها بالضربة القاضية!

هذا هو فحوى «الرسالة» الناعمة الرمضانية وكان ذلك فحوى 7 أيار الشاروني. واغتيالات الخصوم وترهيب المؤسسات العسكرية والأمنية التي يسعى إلى تفكيكها عندما تحين الفرصة الملائمة.

آخر القطاعات

فالقطاع المصرفي آخر القطاعات التي لم يقو عليها الحزب (ربما ارتباطاَ بمصالحه المالية) بعدما ضرب مجمل القطاعات الاقتصادية وافرغ المدن والقرى من أسواقها وحركاتها وازدهارها مصنفاً إلى ذلك بالمساعدات الإيرانية له (300 مليون دولار سنوياً) وبتجارة المخدرات والكبتاغون وحتى الأدوية الفاسدة. لكن يبدو ان توسع الحزب في نشاطاته «المأجورة» وفي الحروب الكبرى وممارساته العدوانية عبر خلاياه في السعودية والكويت والامارات ومصر وأوروبا… جعلت من وجوده (خارج منبته) خطراً داهماً فأدرج في لائحة الارهاب، وكانت الإجراءات المالية الأخيرة التي لم يستطع مصرف لبنان إلا تطبيقها، لأن تخلّفه سيضرب كل الاقتصاد اللبناني.

ولأن الحزب يمون بسلاحه، وترهيبه (على بيئته المغلوبة على أمرها) وعلى المؤسسات اللبنانية، كما درج على ذلك، فقد أعلن حرباً على الجميع: فليتمرد مصرف لبنان على القرارات الأميركية، وليسقط الاقتصاد كله. وما همنا منه. المهم نحن، لأن بديل الوطن والشعب هو الأحرى بالصمود! أوليس الحزب ما زال يرصع جبينه بلؤلؤة «المقاومة»، وأما زالت بعض المنابر الموالية له تستنير بهذه اللؤلؤة وبريقها، حتى ولو صرح الحزب وهو في عز وجوده قرب «الجولان»: أن إسرائيل ليست من أولوياتنا». وهذه المقولة صادقة صادقة حتى النخاع. فعدوه لم يعد إسرائيل… بل حوّل سلاحه إلى نحور اللبنانيين، والعرب، والسنّة: إنهم إسرائيل اليوم: وهذا يفسر أن الحزب ينسق بطريقة مباشرة (وغير مباشرة!) مع نظام الأسد الذي اعتبرت إسرائيل أن «سقوطه كارثة عليها»، ومع بوتين حليف إسرائيل الكبير! طبعاً هناك فذلكة لفظية عند الحزب «نحن حلفاء حلفائنا، ولسنا حلفاء حلفائهم!». رائع! ولا بلاغيات اليازجي.

فالمسألة تجاوزت لبنان بشعبه، وحدوده «وفرادته» وسياسته وأرضه. صارت أبعد. وبهذا المعنى المجازي، يمكن الاستغناء عن لبنان، كبلد ومؤسسات وكيان وناس ودستور ووجود، هذا ديدبان الحزب.

بيدر الحزب والحقل

هل وصل الحزب إلى هذه النقطة؟ هل تطابقت حساباته وأحلامه والواقع؟ هل أثّر فشلُه الذريع في الحرب السورية (بعدما كان نجم الدفاع عن قصر المهاجرين)، وتكبد ما تكبد من أرواح لبنانية استملك مصيرها بفذلكات شرعية «كالتكليفات الشرعية» والفتاوى… (ومن يكون حزب الله ليفتي أو ليطوع أو ليجيّش شباناً يفتدون أرواحهم على مذبح العدو الإيراني)، هل انتكس مشروع أوليائه الفرس «الهلال الصهيوني»؟ هل تحوّله في سوريا لاعباً ثانوياً، وفي لبنان حزباً «سقطت» قصته، و»أسطورية» وهالاته ليصبح مثل كل هذه الأحزاب؟ وأسوأ، وأكثر قابلية لثورة في جمهوره عليه، وعلى حروبه، وعلى أوليائه الخارجيين!

الناس

نظن أن كل ما أوردنا حتى الآن هو محور ما يدور حول مسألة مصرف لبنان، والقطاع المصرفي. وعندما نسلسل ما نسلسل من تاريخ حزب الله، فلكي نقول له إن أكثرية الشعب اللبناني طوت ورقتك… وأن الناس ضاقت ذرعاً بكم، وبجنونكم، وبعداوتكم لبلدها. انتهى زمن «ثقافة الاعتذار» و»المداراة« و»التغطية»، فالحبل وصل إلى أعناق اللبنانيين. وإذا كان خصوم «حزب الله» قد اختاروا حواراً معه، متجاوزين ما يرتكبه، فلأنهم يرون في ذلك حماية للبنان وما تبقى منه، خوفاً من انفلات الوحش وتدمير كل شيء. وهذا ما حصل في مسألة تفجير «بنك لبنان والمهجر». اكتفى بعضهم بالإشارة إلى الرسالة، والآخرون بالمجاز، وغيرهم في بعض الاجتماعات بتسمية الحزب مرتكباً لهذه الجريمة… لكن ما أفلت من كل هؤلاء هي وسائط الانترنت والفايس بوك والتويتر التي لم تر بداً من تسمية الفاعل الحقيقي، لا الفاعل «المستعار»… وليت يتدروش جماعة الحزب (أو لورداته)، ليسألوا الناس: من فجّر البنك… سيسمعون الجواب الصحيح ليس من خصوم، بل من بيئتهم وأهلهم وجمهورهم…

في هذه المقالة انضممنا إلى الخطاب «الصريح»، لا المجازي، ولا التشبيهي، ولا الاستعاري: الحقائق كما نراها بشكل شخصي، وأكرر عبارة «شخصي»… وإذا ثبت العكس لا يكون علينا سوى الاعتذار! موقف الاعتذار وليس ثقافة الاعتذار التي أوصلتنا إلى هذه النقطة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل