غداً… يوم آخر ؟!
لا بأس بأربع عشرين أو بثماني وأربعين ساعة إضافية للحظات الوضع القيصري الاخيرة لـ"حكومة الوحدة الوطنية" اذا كانت ستوفر ماء الوجه لهامش الاستقلالية الاخير في هذه الولادة الصعبة. فمن ابتلع بحر الازمات منذ 2005 لن يغص بساقية فراغ ليومين يضاف الى خمسة اشهر. ولكن هل ترانا فعلا سنكون غدا امام "يوم آخر"؟
لعل السياسيين الأجلاء، من مراتب الزعماء ونزولا، يتحلون بالحلم وروح الوداعة والتسامح ان سمحوا للعاديين من قومهم بأن يستقبلوا هذا الحدث بـ"قلة لياقة"، وربما بما هو أفدح، أي بنكران الصفة الحدثية الاستثنائية عن مولود يكاد يتراءى للناس كأنه "طفل أشيب" دبّ فيه الهرم وهو في مهد الولادة.
هكذا فعلت الازمة وصانعوها بحكومة لم تعد تجد طبلا يضرب تهليلا لقدومها. وهكذا فعل السياسيون بأنفسهم وهم يقدمون "أوراق اعتمادهم" مقاولي عجز وتعجيز فلا يبقى من "الانجاز" حين يخرج الى النور ما يحرك ساكنا او يستثير فرحا، ولا حتى غضبا او انفعالا.
أسوأ ما في الحدث الحكومي انه يرسم سلفا حكما مبرما على الحكومة وهي قيد الولادة بعد، حتى الى حدود عبثية تتجاوز الاطر العقلانية والواقعية. ولا يُسأل الناس بطبيعة الحال عن هذا الحكم الجائر الاستباقي، فيما الذين تتعين مساءلتهم هم في مراتب "التحليق" فوق كل سؤال واستفسار. لذا يبدو ضربا من المجون السياسي واللهو السخيف الغرق في ترف الفرز بين مكاسب وخسائر، الا من باب التسلية فقط. فالأهم بعد هذه الازمة المضافة الى سابقاتها، ماذا تركت الازمة للناس لكي يتوقعوا من حكومة تبدأ مشوارها بتزوير اسمها وعنوانها ولصق "الوحدة الوطنية" بتركيبتها جوراً وبهتاناً؟
سيخدش أسماع السياسيين والزعماء السكارى هذا النوع من التشكيك والتجريح. لكن ماذا تركت معارك العصر على الحصص والحقائب والاسماء و"الغيتوات" الوزارية ومواقعها داخل الحكومة للناس غير توقع غد لن يكون الا امتدادا عضويا ومنهجيا للأزمة بلبوس مختلف وربما أكثر تهذيبا بداية، ومن ثم يعود الرقص على الأنغام الرتيبة المألوفة إياها؟
يخرج الوسط السياسي من هذه الأزمة منهكا بالقصور. وحتى ثبوت العكس، لن يكون في مقدوره التباهي بأي وعود او تغيير ما دامت اربعة اشهر ونصف شهر تقريبا لم تثبت الا حقيقة واحدة هي ان الصراع على السلطة وفي قلب السلطة بات يختصر النظام، وان هذا الصراع هو من الخطورة بمكان بحيث لا تقف اخطاره على تجويف النظام فحسب بل على المقومات البديهية للدولة من سيادة واستقلال وقرار حر.
فمن ذا الذي يضمن غدا، ولو التقطت الصورة التذكارية الباسمة لحكومة الوحدة الوطنية، الا تطارد لعنة هذا الصراع كل تفصيل صغير او قضية كبيرة في "حرم" مجلس الوزراء؟ وهل سيكون ذلك مستبعدا وحكومة تصريف الاعمال شاهدة حية لم تلفظ انفاسها بعد، على "التعايش" الحربي والقتالي بين الغالبية والمعارضة؟ ثم اي ضمان لعدم تمدد الانماط الاكثر حداثة التي شهدتها ازمة تأليف الحكومة العتيدة ما دام "الاعتداد" بالتعطيل والتأخير صار اسلوب قيادة وريادة وابهة وتبجيل؟
فأي حكومة واي حكم سينبثقان من هذه الازمة مهما حاول "اللاعبون" في الغد ان يقنعوا الناس بيوم آخر، وفي حاضر اللبنانيين وماضيهم الحديث ما يكفي حقبات وعهودا من عتاد التشكيك وعدم التصديق وادارة الظهور الى المنمق من الكلام والالتزامات الذي غالبا ما تصرعه التجارب بالرصاص الحيّ في معارك الاجهاز على النظام والمؤسسات؟
هكذا يستقبل الناس الحكومة، بفضل صانعي الازمات. ولن يكون الغد يوما آخر… حتى يوم آخر…