المشهد الإقليميّ ليس محسوماً للتشاؤم الصرف وإنّما للمسارات المتباطئة
هل انتهاء "وقائع" التعطيل يزيل "أسبابه"؟
أمّا وقد لاحت تباشير التشكيل الحكوميّ.. فمن اللازم مجدّداً الانتباه إلى تعقيدات و"تأرجحات" المشهد الإقليميّ. إذ لا يمكن الحكم على أفق "عدم التعطيل"، وفي البال القادم من استحقاقات، شأن البيان الوزاري وانطلاقة العمل الحكوميّ وخلافه، بمعزل عمّا يتيحه المشهد الأقليميّ حقيقة من تيسير للأمور.
فهذا المشهد انتهى إلى رفع الحظر عن التشكيلة الحكوميّة، بعد أشهر عديدة من التوصّل إلى تسوية 15-10-5 وبعد أسابيع على القمّة السعوديّة السوريّة وعشية زيارة الرئيس السوريّ بشّار الأسد إلى فرنسا. بيد أنّ التفاؤل الذي أوحاه المشهد في الموضوع اللبنانيّ من بعد طول ممانعة لا يستقيم مع المناخ التشاؤميّ الذي يوحي به المشهد الإقليميّ في كليّته، إذ هو لا يكاد يفارق "الجمود" حتى يقارب "انعدام الاستقرار".
والملفّات في المنطقة، متشابكة، يضيع فيها الفاصل بين البعد المحليّ للنزاعات والتسويات وبين الاستقطاب الإقليميّ الدافع إمّا باتجاه النزاعات أو باتجاه التسويات. بالتالي، هل يسهم التفاؤل المؤيّد بالوقائع الآن على صعيد التشكيل الحكومي اللبنانيّ في تحسين صورة المشهد الإقليميّ في عمومه، ويعود بالروحيّة الإيجابية نفسها على ملفّات أخرى تتضح في كل منها علامات "الإشكال" الإيرانيّ العربيّ؟ أم أن التفاؤل في الموضوع الحكوميّ، يبقى "تفاؤلاً يعني بلداً واحداً"، وملفاً واحداً، بل فصلاً واحداً؟
وقد يبدو المرء مثالياً جدّاً إن حاول أن يقنع نفسه أو حتى أن يطرح السؤال عمّا إذا كانت تجربة التعطيل الأخيرة، وتجربة رفعها أيضاً، ستقود الأفرقاء الداخليين إلى الاهتمام بما من شأنه رفع منسوب استقلالية اللوحة اللبنانية عن كامل المشهد الإقليميّ، وهو شرط ضروري للانطلاق إيجاباً في العمل الحكوميّ. ومع ذلك فإن السؤال الذي يطرح هو: هل يمكن للمشهد الإقليميّ أن يغض الطرف أو أن يتسامح أمام ظروف نشأة مثل هذه الإيجابية الداخلية؟
فهل إنّه تعطيل لمسألة بلغت حدّها من التعطيل، وصار من اللازم صرفها عشية زيارة معيّنة، أو استباقاً لاستحقاقات معيّنة؟
أم أنّها بادرة من شأنها، لو فهمت وثمّرت، الدفع باتجاه تجاوز إشكالية "التعطيل" كنمط يحكم السياسة ويفرّغ المؤسسات الدستوريّة من مضامينها في لبنان؟
إلى الحين، لا يمكن تقديم إجابات وافية، ولو في الحدّ الأدنى، عن كل هذه الهواجس. كل ما يمكن قوله إنّ ما يبرّر طرحها هو أنّ إزالة التعطيل جاءت إزالة لوقائعه قبل أسبابه، وأنّ أسبابه الداخلية كما الإقليميّة ما زالت موجودة، وأنّ "المشهد الإقليميّ" لا يدعو بكليته إلى التفاؤل، ولو أنّه ليس محسوماً لصالح "الخط التشاؤمي" الصرف بقدر ما هو لصالح "المسار المتباطئ" للأمور.
وعلى الصعيد الداخليّ، فلا شكّ أن السير في التشكيل فاتحة لارتياح كبير، وانفراج على كافة الصعد. لكن هنا أيضاً، ينبغي النظر إلى كيفية تمرير استحقاق صياغة البيان الوزاري ونيل الثقة على أساسه، ليس فقط لتنفس الصعداء في موضوع ولادة الحكومة، وإنّما للنظر في كيفية تطوير العلاقات السياسية وما إذا كانت هذه العلاقات تنحو حقيقة نحو تجاوز مركب التعطيل.