أي مفاعيل لعودة "الإدارة" السورية – السعودية للوضع ؟
الظروف الإقليمية والداخلية للولادة تحاصر الحكومة بالتشكيك
فتح الفصل الاخير من عملية تأليف الحكومة بتوالي حلقاته في الايام الاخيرة من الاسبوع الماضي الوضع اللبناني على مشهدين احدهما محلي والاخر اقليمي. في المحلي كانت زيارة وزير الاتصالات في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل لدمشق التي استتبعها على الفور مشهد جماعي لاقطاب المعارضة في حمى الامين العام لـ" حزب الله" السيد حسن نصرالله بما يعني من ترجمة عملانية لالتحاق الاخرين به خصوصا الجانب المسيحي وليس العكس وبما يثبت موقع الحزب في ادارة الوضع الداخلي من خلال تجيير الفيتو الذي تملكه الطائفة الشيعية ويحتفظ به الحزب الى العماد ميشال عون بما يثبت وضعه في الداخل وفي المعادلة السياسية وامتداداتها الاقليمية، بكل ما يعني ذلك راهنا وفي المرحلة المقبلة. وفي الاقليمي كان دخول سوريا على المشهد السياسي اللبناني قويا من حيث استحضار دورها وتأثيرها في اللعبة السياسية الداخلية، فقطفت عودة مظفرة الى الداخل اللبناني بحض واستدراج من افرقاء لبنانيين من قوى المعارضة وقبول قسري من قوى الاكثرية. والبعض يقول أن ذلك حصل أيضا بحض سعودي عبر السعي الى التأثير على الجهة المقابلة اي جهة رئيس الوزراء المكلف بحيث ان خلاصة هذا الواقع تؤدي الى امرين يتضمنان اسئلة ضمنية متعددة: هل ان سوريا والمملكة العربية السعودية عادتا الى ادارة الوضع اللبناني من خلال ادارة حلفائهما في الداخل كما في العام 1989 وايضا كما في العام 1998 من خلال انتاج خطوط توازن اقليمية جرى وضعها وتثبيتها داخليا ويتم القبول بها عربيا وخارجيا؟ اذا صح ذلك فهو يعني بالنسبة الى متابعين كثر تراجعا كبيرا لا بل هائلا في استنهاض ومتابعة للمشروع اللبناني الاساسي في استقلال لبنان وسيادته، خصوصا ان لدى المملكة عزوفا طبيعيا عن الاضطلاع بالتفاصيل اللبنانية الداخلية في مقابل قابلية سورية قوية لاستعادة دمشق نفوذها السياسي والاداري للبنان على كل الأصعدة، مما يفتح الباب امام احتمالات ليست مشجعة او تفاؤلية في هذا الاطار، نظرا الى التجارب اللبنانية المريرة طوال فترة الحرب وما بعدها في ضوء وضع اتفاق الطائف. ومع ان بعض المعطيات يتحدث في هذا الاطار عن تشجيع سعودي لرئيس الوزراء المكلف سعد الحريري للسير قدما في تجاوز العقبات ومطالب المعارضة تحت وطأة ضمانات وتطمينات معينة قدمتها المملكة، فان معنيين كثرا يشككون في قدرة المملكة على تقديم اي ضمانات او القدرة على متابعتها متى عاد الامر الى المستنقع السياسي الداخلي. هذا السؤال الاول يدفع في اتجاه السؤال الثاني وهو: ما دامت دمشق لعبت لعبة العرقلة ورفع الشروط واثبتت أخيرا "مونتها" على قوى المعارضة بمن فيها العماد ميشال عون في لحظة معينة وإن بسيطة في آخر الشوط بما كفل لها موقعا متقدما جديدا في اعين الغرب في مقابل اثبات عجز المسؤولين اللبنانيين عن ادارة شؤونهم بانفسهم وحاجتهم اليها لتفكيك التعقيدات لديهم، فهل ان تدخلها سينحصر في اطار عملية موضعية هي تأليف الحكومة العتيدة؟ وهل سيتوقف هذا التدخل ام ان المرحلة المقبلة ستشهد فصول عرقلة جديدة من خلال "مونتها" على وزراء في الحكومة العتيدة مسترجعة الماضي بكل فصوله وصولا الى التدخل عند كل مفترق وكل محطة؟
هذه الوقائع هي ما اثار في حقيقة الامر بعض الاحباط مما آلت اليه الامور وما يخشى ان تواجهه الحكومة. فمن جهة لا تشي التركيبة والحقائب التي انتهت اليها الحكومة على الاطلاق بأنها حكومة لها طابع الاكثرية كي تتمكن من تنفيذ برنامجها ايا كان اقتصاديا او اداريا او سياسيا. والمماحكة التي رافقت تأليفها وتجيير المكاسب في المساعدة في تأليفها من المعارضة لسوريا أفقد من جهة اخرى الاكثرية القضية السياسية التي قامت على اساسها فلم تعد هذه القضية واضحة لا لدى سياسيي الاكثرية ولا لدى قاعدتها من حيث اضعاف تكاتفها من جهة وتمييع قضايا من جهة اخرى ما لم يتم العمل على تظهير خطاب مغاير في ما بعد تأليف الحكومة.
يضاف الى ذلك أمران اثنان: الاول هو ان المكسب الذي حققته سوريا بعد توسط لديها من الاخرين سيدفعها الى تكرار الاسلوب نفسه لدى كل محطة أصغيرة كانت أم كبيرة في استعادة بات يراها كثيرون تكرارا لما قامت به مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومحاولة استنزافه وبغطاء خارجي يتجدد تحت عنوان مساعدة اللبنانيين في تجاوز خلافاتهم وازماتهم الداخلية ومساعدتهم في الحكم. فما قامت به ليس كرم اخلاق وليس ثمة "كاريتاس" في مصالح الدول خصوصا في حال سوريا مع لبنان مع تنبه كثيرين الى الحرص على مواكبة الاعلام السوري الوضع الداخلي اللبناني بضخ ما اعتبره كثيرون مؤشرات الى دفع الامور في اتجاهات معينة على ما يحصل منذ بعض الوقت في الهجوم على افرقاء مسيحيين سرعان ما يجد صداه لدى سياسيين في لبنان ولدى وسائل اعلام المعارضة. والامر الاخر هو الخشية ان نوعية الاشخاص في التركيبة المعقدة لهذه الحكومة يمكن ان تجعل منها حكومة غير قابلة للتأثير والعمل تماما كما الحكومة التي سبقتها اي حكومة تصريف الاعمال الحالية، مع فارق اساسي ان حكومة الرئيس فؤاد السنيورة كانت محدودة الاجل باجراء الانتخابات النيابية بما تشكله هذه الانتخابات من استحقاق كان يفترض ان يترتب عليه توازنات مختلفة في اي نظام ديموقراطي حقيقي.