#adsense

الموقع الدستوري للوزير في النظام اللبناني

حجم الخط

الموقع الدستوري للوزير في النظام اللبناني

في زمن التهافت وراء الهرطقات الدستورية لنسف اسس النظام اللبناني ومكوناته الدستورية – تعود بنا الحاجة لتذكير البعض بمبادئ دستورية عالمية ومستقرة حتى في احدث الديمقراطيات التي لا يمكن لاحد ان يزايد على عراقتها وعلميتها مهما عصفت به رياح العبثية والانتهازية.

من هذا المنطلق نعرض في هذا التحليل الدستوري لمبادئ واسس دور الوزير الدستورية وموقعه من معادلة النظام – ردا على بعض الذين يثيرون اجتهادات "بهلوانية" تودي بالحياة الدستورية والسياسية الى الهاوية والهلاك التام وتحاول تصوير الواقع الدستوري على غير ما هو عليه فعليا وعلميا.

اولا : صفة الوزير في الدستور اللبناني 

نصت المادة ( 66) من الدستور في الفقرة الثانية منها على ان :"… يتولى الوزراء ادارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلق بالامور العائدة الى ادارته وما خص به …".

فهذا النص الواضح في الدستور يعني امرين اساسيين:

1- الاول ان الوزير وبالاضافة الى صفته السياسية يتولى صفة ادارية عبر ادارة وزارته – فيمارس ككل مدير لادارة صلاحيات ادارية يومية بما فيها سلطة اشراف على اقسام ودوائر ومصالح وزارته وتعيين وعزل الموظفين والسهر على تطبيق النظام والقوانين فيها.

2- الثاني ان الوزير يطبق الانظمة والقوانين اي انه يمشي في تنفيذ القوانين والنصوص النظامية التي تصدر عن السلطات الدستورية سواء التشريعية او التنفيذية والتي تعبر عن سياسات السلطات وهو جزء من السلطة التنفيذية – وبالتالي ليس له بموجب النص الحالي اي سلطة استنسابية في ان يقرر تطبيق او عدم تطبيق ما يقرره قانون او مرسوم اشتراعي او مرسوم او قرار في مجلس الوزراء (الذي هو السلطة الاجرائية مجتمعا).

انطلاقا من هاتين الملاحظتين: كل وزير يختص بادارة وزارته من دون ان تطال سلطته ما يعود لوزارات اخرى الامر الذي يضفي على الوزير من هذه الناحية صفة الموظف الاداري – مع فارق وحيد ان الوزير لا يخضع لملاك موظفي الدولة .
(ENCYCLOPEDIE DALLOZ- REP.ADMINISTRATIF-MINISTRES – N0 1 – SUIV)

ثانيا : السلطة التقريرية للوزير في وزارته

يقول العلامة الدستوري الفرنسي جورج بوردو GEORGES BURDEAU ان الوزراء – على الصعيد الفردي – ليست لهم سوى صلاحيات ادارية – فهم رؤساء مصالحهم الوزارية ويسهرون بهذه الصفة على تطبيق التوجيهات الحكومية في مصالحهم – EN DEHORS DE L”INFLUENCE QU”ILS PEUVENT EXERCER AU SEIN DU CONSEIL DES MINISTRES OU DU CONSEIL DE CABINET – LES MINISTRES INDIVIDUELLEMENT CONSIDERES N”ONT QUE DES COMPETENCES ADMINISTRATIVES – ILS SONT LES CHEFS DE LEUR DEPARTEMENT MINISTERIEL ET DOIVENT VEILLER – A CE TITRE – A CE QUE LES DIRECTIVES GOUVERNEMENTALES SOIENT APPLIQUEES PAR LEURS SERVICES . (DROIT CONSTITUTIONNEL ET INSTITUTIONS POLITIQUES – PGDJ- PARIS – 19EME EDITION – 1980 – P. 530-531 )
فلكون الوزير رأس ادارته الوزارية التي يتولاها فتدخل ضمن صلاحياتها القرارات الوزارية ARRETES MINISTERIELS لتطبيق الانظمة والقوانين وفقا للمادة (66) من الدستور – ما يعني ان الوزير ليست له سلطة مطلقة في وزارته بما يخالف توجه السلطات التشريعية والتنفيذية (اي الحكومة مجتمعة وفقا للدستور )- بل هو الزراع التنفيذي في وزارته لما تقرره السلطات الدستورية .

ثالثا : التبعة الدستورية الجماعية وعدم سيادية صلاحيات الوزير السياسية

1- تنص الفقرة الاخيرة من المادة (66) من الدستور على مبدأ المسؤولية البرلمانية الجماعية للوزراء بحيث اكدت : "… ان يتحمل الوزراء اجماليا تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة …" فهذا النص يستوقفنا عند الاتي:

أ‌- وفقا لنص المادة (65) من الدستور تناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء ومن صلاحياتها وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها: ما يعني ان الوزير جزء من مجلس وزراء يتحمل تبعة سياسته لانه من واضعي سياسة هذا المجلس الذي انيطت به السلطة الاجرائية .

ب‌- ان الوزير مكلف من قبل الدستور ومجلس الوزراء في تنفيذ ما تقرره الحكومة في سياساتها – لا ما يقرره هو في وزارته – والا بطلت الفقرة الدستورية اعلاه وبطل معها مفعول التضامن الوزاري الذي يؤدي الى اعتبار كل الوزارة مستقيلة بموجب المادة (69) من الدستور ان نزعت الثقة عنها من قبل المجلس النيابي او خضعت لمساءلة دستورية وبرلمانية معينة.

2- تنص المادة (64) من الدستور على ان رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولا عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء – وتنص الفقرة (7) من تلك المادة الى ان رئيس مجلس الوزراء يتابع اعمال الادارات والمؤسسات العامة وينسق بين الوزراء ويعطي التوجهات العامة لضمان حسن سير العمل وله بوجب الفقرة (8) من المادة نفسها عقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة بحضور الوزير.

فهذه النصوص تؤدي بنا الى الملاحظات الاتية:

أ‌- من يرأس يتصرف بصلاحيات رئاسية اي اشرافية وادارية وتنظيمية على الوحدة التي يرأس، وبالتالي ان رئيس مجلس الوزراء الذي يعتبر مسؤولا عن سياسة الحكومة بحكم الدستور يمارس سلطة رئاسية (في مفهومها المحدد دستوريا لا العام) على مجلس الوزراء – الامر الذي يستنبط قاعدة عرفية في الدول الديمقراطية العريقة في الغرب بأن رئيس مجلس الوزراء يشكل حكومته من فريق عمل حزبه او تكتله الفائز بالاغلبية الانتخابات.

ب‌- من يرأس يعتبر مسؤولا عن ما او من يرأسه: ما يعني امكان ان يتحكم هذا الرأس بما يحصل كي لا يحاسب او يعاقب على امر ليس خاضعاً لسلطته او ليس لديه تأثير عليه.

ت‌- رئيس مجلس الوزراء يستطيع التدخل عبر صلاحية متابعة اعمال الادارات والمؤسسات العامة والتنسيق بين الوزراء في صلب اعمال الوزراء بحيث له صلاحية مكملة متمثلة باصدار التعليمات والتوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل.

ث‌- وله ايضا ان يعقد جلسات عمل متخصصة بحضور الوزير الذي لا يمكن ان تكون له سياسة الا من ضمن التوجه الحكومي العام والا وقع الوزير في تناقض ليس بينه وبين رئيس مجلس الوزراء بل وبينه وبين الحكومة اي سائر الوزراء زملائه.

ج‌- فالوزير اذا جزء من كل – ولا بد من ان تكون له افكاره ومشاريعه لوزارته ولكن من ضمن سياسة مجلس الوزراء وبما يخضع لسلطة رئيس مجلس الوزراء دستوريا واداريا وتقنيا – بدليل الفقرتين 7 و8 من المادة (64) من الدستور – فقدرة الوزير على تنفيذ افكاره تتوقف اذا ليس على صلاحياته التي هي هي – بل على شخصيته واسلوبه التي تشكل ادوات لا تقل اهمية عن الصلاحيات القانونية والدستورية – لتوصله الى اقناع مجلس الوزراء مجمتعا بخططه وبرامجه وافكاره .

رابعا : التناغم السياسي الواجب دستوريا بين الوزير ورئيس مجلس الوزراء

انطلاقا من كافة الملاحظات التحليلية اعلاه تطرح اشكالية العلاقة بين الوزير ورئيس مجلس الوزراء في ما يعود للسياسات الحكومية.
ففي ضوء نصوص ومبادئ الدستور العالمية يمكننا تأكيد ما يأتي:

1- طالما ان التضامن الوزاري هو العنوان في المادة (66) كما في كل الدساتير التابعة للديمقراطيات البرلمانية العريقة ( GEORGES VEDEL ) فانه من الطبيعي والقانوني والمنطقي ان لا يتضامن في تحمل المسؤوليات الا من يستطيع ان يقبل بان يتحمل عن سواه واخطاء سواه المسؤولية – كون المسؤولية الحكومية او التبعة الحكومية البرلمانية جماعية – لذلك فان التوجه الديمقراطي العريق في البرلمانات المعاصرة والمنتخبة هو في تمكين حكومات الاكثرية المنسجمة في اطروحتها السياسية الوطنية من حكم البلاد وفقا برامج الاكثرية (الاستاذ انور الخطيب – الاصول البرلمانية في لبنان وسائر البلاد العربية – دار العلم للملايين – بيروت – 1961) وبالتالي يصبح من حق رئيس مجلس الوزراء اختيار ما يناسب تشكيلته الحكومية في ضوء برامج الاكثرية التي يتزعمها.

2- ان الدستور اللبناني بعد تعديلات الطائف وسع في النص من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء بعد ان كان العرف يكرس واقعيا ذلك – بحيث جعل هذا الاخير يمارس صلاحيات ادارة واشراف على الحكومة انطلاقا من اتاحة الدستور المجال نفسه لوجود حكومات اكثرية خارجة عنها الاقلية – بشرط الحفاظ على التوازن الطائفي والمساواة بين المسيحيين والمسلمين – على ان يكون رئيس مجلس الوزراء دائما سنيا – فالتوسيع في الصلاحيات يأخذ بالاعتبار ليس صلاحيات الزعيم السني الاكثري بقدر ما يأخذ بالاعتبار ما يجب ان يكون عليه الامر في الديمقراطيات البرلمانية العريقة من حكم لحكومة اكثرية بزعامة رئيس تلك الاكثرية او زعيمها – وقد شاء ت الظروف الطائفية ان يكون في لبنان من الطائفة السنية الكريمة.

3- ففي الاجتماعات التقنية التي يعقدها رئيس مجلس الوزراء بحضور الوزير المختص بحسب الفقرة (8) من المادة (64) لا يمكن تصور ان يكون رئيس مجلس الوزراء في وارد الوزير المسؤول في وارد اخر – كما لا يمكن تصور ان يكون في موضوع معين لكل من رئيس مجلس الوزراء راي والوزير المختص راي اخر – وفي حال حصول ذلك تكون الغلبة بحكم القانون والمنطق والمبادىء الدستورية العامة لرئيس مجلس الوزراء باستقالة الوزير – ما لم يتضامن مع الوزير " المشاكس" العدد القانوني من زملائه لافقاد مجلس الوزراء نصابه الدستوري وبالتالي ميثاقيته الدستورية كما حصل في السنوات القليلة الماضية.

من هنا التخوف الاساسي من ان اي حكومة عتيدة تلد بموجب تلك الاستشارات الحالية لا بل المفاوضات الحالية – ان تؤدي الى ولادة حكومة مبتورة سلفا ومحكومة بالتصارع والتنازع الداخلي بين فكرين متناقضين لا يلتقيان الا على مزيد من اثبات للعالم باننا غير قادرون فعلا على حكم انفسنا بانفسنا – وهنا الخطر المصيري الاكبر – خصوصاً ان رئيس مجلس الوزراء لن يكون قادرا على ممارسة سياسة الاكثرية وتطبيق برامج الاكثرية في ظل نظرة مختلفة للبنان وحقائب وزارية اساسية بغير يد الاكثرية داخل مجلس الوزراء – ناهيك عن تعطل لغة المراقبة والمحاسبة في مجلس النواب اي تعطيل من نوع اخر او على شكل اخر للمؤسسات الدستورية وللحياة الديمقراطية والبرلمانية .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل