#adsense

القاع معركة وطن

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة المسيرة العدد 1566:

“أهلنا في القاع، لا يسعنا إلا أن ننحني أمام صمودكم الجبار. إن تغيّرت وجوههم وأساليبهم فإن هدفهم لم يتغيّر، وأنتم أيضا لم تتغيّروا. أنتم من حمى الدار منذ 38 عامًا، واليوم أثبتُّم مرة من جديد أنكم لا تبخلون بالشهادة من أجل لبنان. الرحمة والخلود لشهدائنا الأبطال. نستمر ونبقى. حمى الله لبنان.”

                                         سمير جعجع رئيس حزب “القوات اللبنانية”

كان من المفترض أن تحيي بلدة القاع هذه الأيام ذكرى مجزرة أول تموز 1975 وذكرى مجزرة 28 حزيران 1987 لا أن تحيا مجزرة جديدة في 27 حزيران 2016. وأن ترفع صور الذين اسشتهدوا قبل أربعين عامًا و38 عامًا لا صور خمسة شهداء جدد. كأن قدر القاع أن تعيش عرس الشهادة المتكرر وأن تتجرع الكأس في كل مرة وأن تشهد للحق والحقيقة وللحياة والتمسك بالأرض وبحق البقاء على هذه الأرض وكأنها في معركة مستمرة من أجل ترسيخ هذا البقاء.

أول تموز 1975 وبعد انقطاع الإتصال مع مخفر القاع تبلغت قيادة قوى الأمن الداخلي من آمر سرية بعلبك برقية ورد فيها: “فقدنا كل اتصال سلكي أو لاسلكي مع مخفر القاع. تفيد المعلومات الواردة إلينا أن المعارك محتدمة في شوارع البلدة. فشلت كل المساعي التي بذلت لوقف النار. لم نتمكن من إحصاء الخسائر لكنها كبيرة والمصابون في الشوارع. القتال مستمر ضمن البلدة. نطالب بإنزال الجيش للفصل بين المسلحين.”

وكانت المعلومات قد أفادت كما أوردت بعض الصحف الصادرة في 2 تموز 1975 أنه “في الثانية والنصف بعد ظهر 1 تموز هاجم مسلحون قُدر عددهم بالمئات بلدة القاع وبدأوا قصفها بمدافع الهاون بمعدل قذيفتين كل 3 دقائق وعلى الأثر طُوِّق مخفر القاع وباتت البلدة معزولة. وذكرت المعلومات أيضًا أن المسلحين المهاجمين هم من أبناء القرى والبلدات المجاورة وقد طالبوا الأهالي بإقفال فرع الكتائب وتسليم الأسلحة التي في حوزتهم وقد أبدى الأهالي تجاوبًا مع هذه المطالب ولكن الهجوم استمر. وعلم أنه في ساعة متقدمة من الصباح أعطيت الأوامر للجيش اللبناني بالتدخل لوقف القتال. وقد أسفرت المعركة عن سقوط عدد من الشهداء من أبناء القاع عرف منهم: ابراهيم نصرالله وحنا نادر وشحاده التوم وجورج عاد ونخلة رزق وجميل شحود، بالإضافة الى سقوط عدد من الجرحى وإحراق المزارع والبساتين المحيطة بالبلدة وعدد من المنازل فيها.

في ذلك التاريخ لم يكن الجيش اللبناني قد انقسم بعد ولكن الدولة كانت انهارت وفقدت سلطة القرار وأصبحت الحكومة عاجزة وارتسمت خطوط التماس في أكثرمن منطقة. لم تكن “القوات اللبنانية” قد تأسست بعد ولم يكن جيش النظام السوري قد دخل إلى لبنان وكان ينتظر حججًا مثل الهجوم على القاع ثم دير الأحمر والقبيات ليبدأ التدخل، ولم يكن هناك “داعش” أو “جبهة نصرة” أو “قاعدة” أو “حزب الله”. كان هناك رجل اسمه موسى الصدر خلع عن رأسه عمامة إمامته للطائفة الشيعية في لبنان وخرج إلى الناس الذين يهاجمون القاع بنداء تاريخي: “إنني أقول لكم أخيرًا إن كل طلقة تطلق على دير الأحمر أو القاع أو شليفا إنما تطلق على بيتي وعلى قلبي وعلى أولادي، وإن كل فرد يساهم في تخفيف التوتر وإطفاء النيران إنما يساهم في إبعاد النار عني وعن بيتي وعن محرابي ومنبري، إنما أقول ذلك بالحقيقة كل الحقيقة ولا أبالغ في ما أقول.”

لم تكن تلك نهاية مأساة القاع الأولى في الحرب. في 28 حزيران 1978 بعد عامين فقط كانت قوات جيش النظام السوري تخطف 26 مواطناً من أبناء القاع وراس بعلبك وجديدة الفاكهة وتقودهم إلى البساتين القريبة لتعدمهم بالرصاص. ومرة جديدة كان على القاع أن تنتصر على الجراح وأن تعلن أنها أقوى من رصاص الحقد والقتل وأن أبناءها صامدون في أرضهم لأنهم مع شهدائهم تحت التراب مستمرون في مقاومة المحتلين فوق التراب.

في العام 1975 لم يكن تنظيم “داعش” هو الذي ارتكب المجزرة. وفي العام 1978 لم يكن تنظيم “داعش” وراء المجزرة الثانية. وطيلة تلك الأعوام لم يكن “داعش” هو من يصادر الأرض والمشاعات والمزارع ومنطقة المشاريع والمياه وقنوات الري.

ليست معركة القاع مع الموت. إنها معركة من أجل الحياة. والقاع تريد أن تحيا بكرامة وأن تكون حرة حيث هي وأن يكون أهلها أحرارًا في أرضهم وكنيستهم ومع جيرانهم وأن تتأمن لهم كل مقوّمات هذه الحياة. إنها معركة الصمود ومعركة الكرامة ومعركة الموت بكرامة.

معركة القاع هي في أن لا تكون عرسال ثانية أو أن تصير ضاحية جنوبية ثانية مزنرة بالخطر وتحاصر نفسها خوفاً من الإرهابيين والإنتحاريين.

معركة القاع هي في أن تكون تحت حماية الجيش اللبناني وحده من دون سواه قبل أن تتكرر مجزرة أول تموز 1975 عندما تخلت الدولة عن دورها وعندما خرج الجيش من المعادلة الأمنية.

معركة القاع هي في أن تكون هويتها لبنانية وأن تكون كما هي القاع بكنائسها ورهبانها وأهلها الذين لفحتهم سمرة الأرض والسهل وقساوة الطبيعة بأزيائهم وعباءاتهم التي لم يتخل كهولهم عنها. أهل القاع وإن كانوا عاشوا تحت الوصايات والإحتلالات إلا أنهم كانوا بين المقاومين على جبهات كثيرة في الجيش وفي “القوات اللبنانية”.

معركة القاع هي في أن الدولة تحمينا. وفي أننا اخترنا أن نكون كما علينا أن نكون. لم تكن القاع غريبة عن “القوات اللبنانية” ولا كانت “القوات” غريبة عن القاع. ولكن القاع و”القوات” معًا خيارهما الدائم هو الدولة والجيش اللبناني. معركة القاع هي ضد كل سلاح غير شرعي وفي رفض الأمن الذاتي. وأي سلاح يظهر مع أبناء القاع هو من ضمن سلاح الجيش اللبناني وتحت أمرة الجيش اللبناني. معركة القاع هذه بدأت عندما رفضت الدعوات إلى التسلح بعد حوادث عرسال وبعد تهديدها بالخطر الآتي من الجرود عندما عرض عليها أن تحمل السلاح كما سرايا المقاومة وأن تكون حالة خارجة عن السلطة الرسمية وتابعة لهذه السرايا. معركة القاع هي معركة الجيش والشعب وأهالي القاع. معركة القاع هي في أنها تريد أن تثبت مرة جديدة أنه إذا كان نظام إرهابي كامل عجز عن إخضاعها وتخويفها فإن حفنة من الإرهابيين الإنتحاريين لن تقوى عليها. معركة القاع هي في أنها في تصديها لتلك الحفنة كانت تدافع عن نفسها وعن جيرانها وتفتدي اللبنانيين جميعًا. وهي لذلك تريد أن لا تقطع عنها المياه وأن تتطلع إليها الدولة عبر تسوية أوضاع المشاريع الشاذة وأن تعيد إليها حقوقها في أراضيها المصادرة وأن تزيل الإعتداءات عنها وكل من أظهر غيرته على أهل القاع عندما تعرضت لهذه الإعتداءات والعمليات الإنتحارية عليه أن يعمل من أجل إعادة ما للقاع إلى القاع.

معركة القاع ليست في إلحاقها عبر التخويف بالنظام السوري وفي جرها إلى الإختيار بين إرهاب التكفيريين وبين الوعد بالدفاع عنها لأنها أولى بهذه المهمة ولأنها ستظل تعتبر أن الجيش هو الضامن الوحيد لأمن اللبنانيين جميعًا وأنه سيكون هو الذي سيدافع عنها وعن جرودها ويرد عنها وعن غيرها الأخطار من أين أتت. معركة القاع هي في أنها لا تريد أن تكون جزيرة معزولة عن محيطها بل متكاملة مع هذا المحيط في الأمن والسيادة والحقوق. معركة القاع هي في حقها أن تختار هويتها ومن يمثلها كما فعلت في الإنتخابات البلدية. معركة القاع ليست في الدفاع عن نفسها فقط. فهي تدرك تمامًا أن شهداءها الذين سقطوا إنما فدوا بدمائهم كل اللبنانيين وأفشلوا مهمة الإنتحاريين الذين كانوا سيفجرون أنفسهم في أمكنة أخرى. معركة القاع هي في أن رأسها سيبقى مرفوعًا وستبقى ترفع رأس اللبنانيين جميعا. معركة القاع هي في أن شهداءها أحياء وأنهم ماتوا ليحيا لبنان.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل