
طغت أخبار العمليات الارهابية في القاع على ما عداها من أخبار سياسية منذ مطلع الأسبوع، وكثرت الأصوات المنتقدة لما يسمّى مظاهر “الأمن الذاتي” في البلدة الجريحة، متناسية ان الارهاب هدّد، للمرة الأولى، بلدة مسيحيّة في لبنان. وقد صوّب كثيرون من مؤيّدي معادلة “جيش وشعب ومقاومة” سهامهم لألف سبب وسبب، نحو حزب “القوات اللبنانية” الذي كان أول من بادر إلى الوقوف إلى جانب أهالي القاع في محنتهم والنكبة التي حلّت بهم.
لكن ثمة أمور لا يمكن التغاضي عنها لتوضيح الصورة وإظهار الفارق بين نموذج المقاومة المشرّفة الذي قدّمته “القوات اللبنانية” في القاع ونموذج “المقاومة” الذي يقدّمه “حزب الله” منذ عام 1990.
أولاً، كانت “القوات اللبنانية” عام 1990 من المنظمات العسكرية السبّاقة التي بادرت إلى تسليم سلاحها بكامل إرادتها، موكلة إلى الدولة اللبنانية بسط الأمن والاستقرار، رغم عدم وجود عوامل مطمئنة في ظلّ وجود جيش الاحتلال السوري ومخابراته في لبنان، وبالتالي سعيه إلى الانتقام من “القوات” قيادة وافراداً، وهذا ما حصل فعلاً. فيما كان تنظيم “حزب الله” الوحيد الذي احتفظ بسلاحه إلى جانب الجيش اللبناني بحجة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. ورغم انسحاب هذا الاحتلال عام 2000، بقي هذا السلاح بين يدي حزب “مذهبي”، لم يمتنع في أكثر من مناسبة عن استعماله ضد الداخل مهدداً بحرب أهلية جديدة!
ثانياً، من تحرّك في القاع هم أهالي القاع وليس بقرار من حزب “القوات اللبنانية” الذي دعم الأهالي معنوياً ورمزياً من خلال وجود النائب أنطوان زهرا في القاع ورئيس البلدية بشير مطر وبعض المسؤولين القواتيين في منطقة بعلبك الهرمل. لكن هذا التحرك كان عفوياً وليس مخططاً له، وبالتالي لا قرار حزبي، كما يروّج، لفرض الأمن الذاتي والتسلّح. فعدد كبير من أهالي القاع يؤيدون “القوات” بل هم من مناصريها، ويؤمنون بخطها المقاوم اللبناني الأصيل، لذا كان الربط طبيعياً بينهم وبين “القوات”، والأخيرة لم تنكر ذلك. أما حزب الله فهو تنظيم مسلّح، يخوض المواجهات العسكرية كجيش منظّم في لبنان وخارجه، بل يقوم عن سابق تصوّر وتصميم بإرسال عناصره المدرّبة إلى سوريا حيث فقد معاني المقاومة لأن لا معنى لهذه الكلمة عندما تحارب “جماعة” معيّنة بعيداً من أرضها، وليس في الدفاع عن مناطقها وشعبها، بل تتمادى في قتل شعوب أخرى وتناصر وتدافع عن أنظمة أخرى.
ثالثاً، لم يحمل أهالي القاع، رجالاً ونساء، سوى اسلحة فردية وتحت أعين الجيش اللبناني وبالتنسيق معه، في حركة مؤازرة وداعمة لهذا الجيش الذي تؤمن “القوات” بأنه حامي الوطن الأول، وغالباً ما طالبت أن يكون الوحيد الساهر على الحدود، الا ان فداحة العمليات الارهابية التي حصلت داخل القاع، استوجبت وقوف الأهالي على هذا النحو مع الجيش اللبناني لحراسة بيوتهم وأرزاقهم وأعراضهم، بشكل يجعلهم أكثر اطمئناناً من دون أن يتجاوزوا دور الجيش. أما عناصر “حزب الله” فتجاوزت ترسانتهم العسكرية ترسانة الجيش اللبناني وتقوم استراتيجيتهم على لعب الدور الذي يقوم به الجيش متذرعين بعجزه عن مواجهة الإرهابيين، في حين لم يقصّر هذا الجيش يوماً في اداء الواجب وكل ما هو مطلوب الوقوف معه ومؤازرته لا عرقلة مهامه ومحاولة الحلول مكانه ومصادرة دوره!
رابعاً، تقدّر عواصم القرار العربية والدولية الجهود السياسية التي يقوم بها حزب “القوات اللبنانية” لحماية لبنان وتعزيز دوره والدفاع عن مؤسساته، وهذا أمر مسلّم به من السفراء الأجانب الذين يزورون معراب ويثنون على دورها، فيما “حزب الله” بات في نظر الدول العربية والغربية، وبكل المقاييس، منظمة ارهابية تُفرض عليها العقوبات لتماديها في الانغماس بحروب لا شأن له بها من قريب أو من بعيد.
خامساً، لا شيء حرّك “القوات اللبنانية” في القاع سوى قرارها الذاتي اللبناني، انطلاقاً من حاجة القاعيين للحماية من جهة والوقوف إلى جانبهم من جهة أخرى، وهذا أقل واجب، فيما “حزب الله” لا يخوض المعارك العسكرية إلا انطلاقاً من رغبات ومخططات ايرانية تمويلاً وسلاحاً وعتاداً وعتيداً، وهذا باعتراف الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله.
سادساً، لا تتوقف “القوات اللبنانية” عن التمسّك بالدستور وبالمؤسسات وبالشرعيّة وبالاستحقاقات الدستورية، داعية كل القوى السياسية إلى التمسّك بهذه المسلمات وعدم المغامرة بالخروج عنها، فيما يتجاوز “حزب الله” الدستور ويعزز الفراغ من خلال تعطيله جلسات انتخاب رئيس للجمهورية.
ما فعلته “القوات اللبنانية” في القاع يُعتبر مشرفاً وقدوة في العمل المقاوم الحقيقي، أحبها الحسّاد أو كرهوها، فهي تفهم المقاومة كفعل ايمان لمساعدة شعبها على العيش بحريّة واستقرار في هذا الوطن. أما ما يقوم به من يدّعي المقاومة فهو بات هيمنة على الدولة بل ممارسة وصاية بالسلاح على الشعب اللبناني وقهره وزعزعة استقراره من خلال استدراج المزيد من الارهاب إلى لبنان.
