
معضلة مناقصة الكوستابرافا اثارت شكوكاً وتساؤلات كثيرة عن عمل مجلس الانماء والاعمار. فقيل عن المطامر انها غير صحية وأنها تدفن الخطط الطويلة الأمد الهادفة لمعالجة ملف النفايات وصبغت العروض بتهمة المحسوبيات.
هذا الـمجلس نشأ من حاجة الـبلاد الى الاعمار سنة 1977 بعد حوادث الـ 75. في ذلك الـوقت كان من الـعصري استعمال كلمة “انماء” او “تنمية”. هذه الكلمات كانت تعبّر عن مفهوم جديد في الاقتصاد أصبح مع الـموضة بعد نشوء “البنك الدولي للإنشاء والـتعمير” سنة 1944 وما يعرف الـيوم بالـبنك الـدولي. هذا البنك كان يعنى بإعادة اعمار وتنمية الـبلاد الأوربية بعيد الحرب الـعالمية الـثانية من خلال قروض مدعومة من المجتمع الدولي وخطة وزير خارجية اميركا حينها جورج مارشال.
الـمقارنة بين الانماء الأوروبي واللبناني اليوم هي شبه مستحيلة ويعود الامر الى سببين أساسيين:
1- نهاية الـحرب اللبنانية سنة 1990، أي ثلاثة عشر عاماً بعد انشاء المجلس: فخلال حربٍ قائمة لا مجال للتعمير، وفي ظل الاحتلال السوري لم تكن جميع الأطراف اللبنانية مشاركة بالحكم وحُصر الانماء والمساعدات على بعض المناطق.
2- الفرق بين الـهيكلية الاقتصادية لأوروبا قبل خطة الانماء والوضع في لبنان. فالاقتصاد الأوروبي كان يعتمد على الصناعة كأساس للاقتصاد ومن هذه القارة العجوز انطلقت الثورات الصناعية. في المقابل، لبنان كان يعتمد بشكل أساسي على السياحة وعلى قطاع مصرفي قوي. فكان اقتصاده غير منتج وكانت الصناعة شبه غير موجودة.
هذه الأسباب حلت دون وصول لبنان لمستوى اوروبا الاقتصادي، لكن هذا لا يعني ضرورة بقائه من دول العالم الثالث. فالسبب الرئيسي هو داخلي ويتلخص بعدم وجود خطة شاملة للاقتصاد اللبناني وعدم القدرة على تنفيذ المشاريع بظل حكومات تعمل على المحاصصة.
اتُهم مجلس الانماء والاعمار أخيراً بتنمية مناطق دون أخرى والقبول بعروض مشبوهة، فقيل إن مشاريع البنى التحتية مثلا تستفيد منها بشكل أساسي مدينتي بيروت وطرابلس ومنطقة الضاحية الجنوبية.
لكن الـغاء مناقصة مطمر الـكوستابرافا سمح للـمجلس بالـمحافظة على ماء الـوجه. فمع صدور نتائج مناقصة برج حمود، ظهر فرق الأسعار بين تلزيم هذا الـمطمر الى شركة خوري للمقاولات وتلزيم الـكوستابرافا الى رجل الاعمال جهاد الـعرب. فعاد الـمجلس عن قراره بتلزيم الأخير وأصدر مناقصة جديدة تنهي في منتصف الشهر الحالي ما يمكن ان يعيد أزمة الـنفايات الى الأفق.

كلفة المطامر
في اتصال مع الأستاذة في الجامعة اللبنانية والـخبيرة في اقتصاد وسياسات البيئة د. نانسي قنبر قالت ان المطامر هذه ليست مطابقة للشروط الصحية وعلى هذه الـمطامر الـبدء أولاً بضرورة الفرز عند المصدر. فشرحت قنبر أن تركيبة نفاياتنا تشكل في اكثريتها نفايات عضوية وتتضمن فقط 10% من العوادم الضروري طمرها. “ان طُبق الـفرز عند الـمصدر تنخفض كمية الـنفايات الـمطمورة وتنخفض الانبعاثات. 60% من النفايات هي عضوية يمكن تحويلها الى اسمدة. اما 30% من النفايات هي مؤلفة من مواد قابلة لإعادة التدوير”.
المشكلة الرئيسية في ملف النفايات حسب قنبر هي غياب التخطيط والرقابة على التنفيذ كما ان عدم اخذ اراء الاخصائيين بالاعتبار يشكل عائقاً للمشاريع. فالأثار البيئية المتعلقة بوجود مطامر في المناطق الساحلية القريبة من الشواطئ وضفاف الانهر اهمها تلوث البحر وبالنتيجة تقلص الثروة البحرية والتنوع البيولوجي.
ذكرت قنبر ان اقتصاد لبنان يعتمد على السياحة، فتلوث البحار يمكنه ابعاد السياح عن شواطئ لبنان الجميلة. فهذه الكلفة الاقتصادية تزيد من خطورة الوضع في القطاع السياحي. وقالت عن إمكان تأثر صيادي الأسماك من تقلص الثروة السمكية كبيرة جدا.
اضافت قنبر ان مشكلة تلوث البحار أساسية في لبنان وكانت موجودة قبل المطامر وهي نفايات المستشفيات ومياه المجارير التي تصب في الأنهر فالبحار. وتخوفت من الاثار الصحية لهذه المطامر كمشاكل التنفس وامراض رئة، الامراض الـجلدية والـحساسية، أمراض الـجهاز الـهضمي، وزيادة في الامراض السلطانية. كما أوضحت ان “الدراسات العلمية تأكد ان المطامر تؤدي على ارتفاع معدل وفيات الرضع والتشوهات الخلوقية”.
وصرحت قنبر ان “زيادة عدد السكان بعد الـنزوح السوري في الـمناطق الساحلية، تزيد كمية النفايات والانبعاثات في بلدٍ ليس لديه البنى التحتية اللازمة لاستيعاب هذه الاعداد. فالحلول المطروحة اليوم تكمن بالحوكمة الرشيد وإعطاء القضية البيئية أولوية وعدم اعتبارها من الكماليات” وشددت أيضا ان الشفافية في انجاز المناقصات أساس ليعلم المواطن على المحاسبة. وقالت ان المحاصصة هي التي تمنع تنفيذ المشاريع.
ختمت الـخبيرة الاقتصادية أن للمدارس والجامعات دورا مهما بالتوعية للفرز عند المصدر، ولكن جميع هذه الحلول تكون بعيدة عن الـتطبيق اذ لم تكن الإرادة السياسة والتزام الـمرجعيات الـدينية الـمؤثرة حاضرة لحل هذه المشكلة.