
ما الفرق بين استراتيجية “القوات اللبنانية” واستراتيجية “حزب الله” في ما يتعلق بالدولة اللبنانية وبدور الجيش وبمفهوم المؤسسات؟ أين تختلف الإستراتيجيتان وهل يمكن أن تلتقيا؟ هل ما حصل في القاع يمكن أن يشكل مدخلا لإثارة هذا الموضوع من باب التركيز على أهداف الإنتحاريين ومصير القاع وطريقة التصدي لهم ودور الجيش اللبناني في الداخل وعلى الحدود ومغامرات “حزب الله” خارج الحدود؟ وبالتالي أي دولة تريدها “القوات” وأي دولة يريدها “حزب الله”؟
منذ تعرضت بلدة القاع لغزوة 27 حزيران التكفيرية الإنتحارية بدأ التهويل على المسيحيين من خطر “داعش” و”النصرة” وكأن المسيحيين في لبنان لم يكتشفوا هذا الخطر إلا ذلك الفجر وعلى مقربة من كنيسة مار الياس. لم تكن تلك التحذيرات من باب المحبة التي يكنها البعض للمسيحيين بل من باب دفعهم إلى خيارات سياسية داخلية من خلال تخويفهم ومن باب تبرير الحرب التي يشنها “حزب الله” في سوريا دفاعًا عن النظام السوري وضد حركات المعارضة السورية مجتعمة بما فيها “النصرة” و”داعش” وسائر الأصوليات التي تحمل أسماء مختلفة وذلك على خلفية دعوة المسيحيين إلى الإلتحاق بهذه الحرب والدخول في استراتيجية “حزب الله” على أساس أن الخطر الذي يتهددهم واحد. ولكن الواضح أن هناك فرقاً شاسعًا بين الطرفين.
يبدأ الخلاف من تفسير ما حصل في القاع. هل كانت القاع هي هدف العمليات الإنتحارية أم أن الإنتحاريين كانوا يمرون في القاع للوصول إلى أهداف أخرى؟ من الواضح أن العملية التي كان يعد لها الإنتحاريون الذين للمرة الأولى يتحركون بهذا العدد لم تكن القاع. فتحركهم لم ينكشف إلا بالصدفة وبالتالي فقد افتدت القاع نتيجة هذه الصدفة لبنانيين آخرين كانت تستهدفهم التفجيرات. “حزب الله” حاول أن يجزم أن القاع كانت هي الهدف وأمينه العام السيد حسن نصرالله أكد على هذا الأمر رابطاً بين تفجيرات القاع وتفجيرات مطار اسطنبول للقول إن “داعش” لا يميّز بين صديق وعدو وبين شعب وآخر وبين من يدعمه أو من يحاربه، وقد قال ذلك قبل حصول عمليات التفجير الإنتحارية في المملكة العربية السعودية التي كان يتهمها بأنها هي التي تدعم التكفيريين من دون أن يفرق بينها وبينهم.
لو لم يكن “حزب الله” مدركاً بناء على معلوماته ومن خلال التحقيقات الرسمية أن القاع لم تكن هدف تلك العمليات لما كان ألغى احتفاليته السنوية بمناسبة يوم القدس التي كان يحرص كل عام على إحيائها، وخصوصًا في العام الماضي بعد التفجيرات التي طالت الضاحية الجنوبية وبعض المناطق الشيعية في بعلبك والهرمل بهدف إظهار التحدي وعدم الخوف والحث على المشاركة في القتال في سوريا مهما كانت الأثمان التي ستتكبدها الطائفة الشيعية في لبنان. ولا ينفصل تخويف المسيحيين وأهالي القاع عن تسريبات المخططات التخريبية التي نسبت إلى أكثر من جهاز أمني في أوقات متزامنة وتحدثت عن أهداف مرسومة تتراوح بين الأشرفية والمتن وكسروان وغيرها. فلماذا انكشفت هذه المخططات دفعة واحدة؟ ولماذا تم الكشف عنها بهذه الطريقة وهل الكشف هو المطلوب أم السرية والتعامل مع الخطر التكفيري على قاعدة الأمن الإستباقي؟
التخويف مما حصل في القاع ومما قيل إنه كان سيحصل في مناطق أخرى تزامن أيضا مع حملة منظمة استهدفت “القوات اللبنانية” على أساس أنها كانت وراء الظهور بالسلاح في القاع دفاعًا عن أهل القاع وأنها بذلك تبرر الأمن الذاتي وتحاول أن تعود إلى أيام الحرب الأهلية. والواقع أن أبناء القاع الذين تصدوا للتكفيريين ليسوا حكمًا وحتمًا من “القوات” ولكنهم أولاً وأخيرًا يحملون صفة واحدة هي أنهم أبناء القاع وإن كان هناك بينهم من ينتمي إلى “القوات”. فـ”القوات” منذ انطلقت كقوة مقاتلة في الحرب لم تحمل السلاح إلا دفاعًا عن الدولة ومن أجل الدولة وهي في القاع لا تريد إلا الدولة. و”القوات اللبنانية” في القاع أرادت أن تعطي البعد الكامل لمفهوم الجيش والشعب والمقاومة على أساس أن تكون هذه المقاومة تحت أمرة الجيش وبالحدود التي سمح بها الجيش وبأن تكون بنت هذا الشعب بينما معادلة “حزب الله” تخرج عن هذا المفهوم لتضع الجيش والشعب في خدمة المقاومة.
قد يكون التصدي للإرهابيين العامل المشترك الوحيد بين “القوات” و”حزب الله” ولكن كل من استراتيجية مختلفة لا بل متناقضة.
“القوات اللبنانية” تريد أن يكون الجيش هو حامي الحدود والداخل وأن يتم ترسيم هذه الحدود بين لبنان وسوريا، بينما “حزب الله” يلتقي مع التكفيريين في مسألة استباحة الحدود وكأن لا وجود للدولة اللبنانية في قاموسهما غير المشترك. هو يريد أن يقيم دولة ولاية الفقيه المتصلة مع ما يتبقى من سلطة للنظام في سوريا وهم يريدون إقامة دولة الخلافة التي لا تعترف بحدود. ومن هذا المنطلق يمكن فهم طريقة انتشار الجيش اللبناني على هذه الحدود بين راس بعلبك والقاع تحديدًا وترك معظم هذه الحدود فالتاً في بعض المناطق التي يسيطر عليها “حزب الله” الذي يريد أن تكون له ممراته الآمنة في الذهاب إلى سوريا والعودة منها.
“القوات اللبنانية” تريد أن تكون الدولة ضامنة الجميع و”حزب الله” يريد أن تكون الدولة بمؤسساتها في خدمته وضامنة له في استراتيجيته التي تتجاوزها إلى أزمات المنطقة. ولهذا السبب أرادت “القوات” أن تضع ضمن استراتيجيتها الدفاعية كمطلب توسيع تطبيق القرار 1701 لنشر قوات دولية على هذه الحدود تساعد الدولة في بسط سيادتها، بينما عارض “حزب الله” هذا الأمر وهدد الدولة ورفض حتى نشر مراقبين دوليين على المعابر البرية والجوية والبحرية.
“القوات اللبنانية” تريد أن يكون نموذج القاع مطبقاً في عرسال وفي بعلبك وبريتال والهرمل، بينما “حزب الله” يريد أن يكون نموذج الضاحية هو المطبق. أمن ذاتي شبه كامل ووجود رمزي للقوى الأمنية الشرعية.
“القوات اللبنانية” تريد أن تكون سوريا جمهورية ديمقراطية تحترم فيها التعددية وتحترم حدودها الرسمية والسياسية مع لبنان، بينما “حزب الله” يريد سوريا نظامًا حليفاً بقيادة بشار الأسد يمارس معه وصايته الكاملة على لبنان.
“القوات اللبنانية” تبنت هذه الإستراتيجية منذ وافقت على أن يكون اتفاق الطائف مدخلاً للحل وخروجًا من الحرب ولذلك سلمت سلاحها، بينما “حزب الله” لم يعترف منذ البداية باتفاق الطائف وأراد أن يكون سلاحه هو الحل ولذلك يخوض حروبه الكثيرة ويتمسك بسلاحه حتى على قاعدة “السلاح يحمي السلاح” و”أننا سنكون حيث يجب أن تكون” و”حتى لو اقتضى الأمر سنرسل عشرة آلاف ومئة ألف للقتال في سوريا”. فالحزب في حربه يريد أن يحقق مشروعه في إقامة دولة ولاية الفقيه بينما “القوات اللبنانية” في نضالها لا تريد إلا أن تقوم ولاية الدولة والجمهورية القوية لا دولة الخلافة ولا دولة الولاية. ولذلك يبدو وكأن “حزب الله” اليوم يحاول أن يستمد ما يعتبر أنه مشروعيته لحمل السلاح والقتال من مشروع من يمثلون دولة الخلافة ومن يسميهم بالتكفيريين ويعتبر أن خطرهم اليوم أولى بالقتال من الخطر الذي تمثله إسرائيل.
حتى في مشهدية الموت تختلف الإستراتيجية. ليس شهداء القاع من “القوات اللبنانية” حكمًا ولكنهم في مفهوم الدفاع عن بلدتهم يدخلون حتمًا في استراتيجية “القوات”. الشهداء الخمسة مشوا بصمت وحزن إلى الكنيسة مرفوعين على الأكف ملفوفين بالأعلام اللبنانية. شهداء من أجل القاع ومن أجل لبنان. كل ما في التشييع كان لبنانيًا. ماذا يحصل في المقابل عند “حزب الله”؟ لا وجود لعلم لبنان. أعلام “حزب الله” الإسلامية هي التي تلف النعوش. نداءات الإمام المهدي والسيدة زينب تطغى على ما عداها. رايات “حزب الله”. مكبّرات الصوت. استعراضات عسكرية. مواكب مسلحة تحمل النعوش.
دائما تصرفت “القوات” وكأنها أصغر من لبنان ودائمًا يتصرف “حزب الله” على قاعدة أنه أكبر من لبنان وأنه فوق المحاسبة وأن حربه مقدسة وقراراته مقدسة ولا تقبل أي شكل من أشكال المراجعة. وهو لذلك يصادر قرار الدولة ويمنع انتخاب رئيس للجمهورية. ولأن المعادلة هي على هذا الشكل قد يكون من الممكن مثلاً كشف كل تفاصيل العمليات التي حصلت في القاع حتى لو لم يتبناها تنظيم “داعش” أو غيره، وقد يكون من المتعذر معرفة من وضع العبوة أمام مصرف بلوم بنك في شارع فردان.