.jpg)
“Qui donne ordonne “. قول فرنسي مأثور، غالبية الناس تعرفه، حتى قسم من الذين لا يجيدون الفرنسية. ولكن يبدو أن قيادات “حزب الله” ليست على علم به. فهي تتباهى باستقلالية قراراتها في حين أن أمين عام الحزب السيّد حسن نصرالله يعلن صراحة أنه يقبض المال من إيران. ربما السبب يعود الى عدم اتقان تلك القيادات اللغة الفرنسية. فهم لا يشعرون بحاجتهم لها. فالوسيط الفرنسي يتوجّه الى إيران للمفاوضة حول انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية. وفي العام 1996، حين لعبت فرنسا دوراً أساسياً في “تفاهم نيسان” الذي اوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، كان الرئيس الراحل رفيق الحريري الوسيط “المترجم”. فالحزب يركّز على اللغة الإيرانية. لذلك سنترجم ذاك القول المأثور الى العربية: “من يدفع يأمر”.
اليوم يبدو لنا أيضاً أن العديد من قيادات الحزب لا تتقن جيداً الإنكليزية. على رغم أنها “لغة العالم” اليوم. والولايات المتحدة الاميركية قوة عالمية. ولاعب أساسي في مختلف الصراعات العالمية لا سيما في صراعات الشرق الأوسط المتعدّدة والمتشعّبة والمعقّدة. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي يواجهها الحزب في لبنان كونه خرج فصيلاً من رحم الثورة الإيرانية التي اتّخذت، منذ بدايتها في شباط من العام 1979، شعار: “الموت لأمريكا”. وبدءًا من التسعينات، راح يوسّع جغرافيا المواجهة مع واشنطن الى فلسطين عبر دعم حركة “حماس” بإيعاز من إيران. فهذه الأخيرة كانت تريد إفشال مفاوضات السلام واتفاقيات أوسلو وتسعى لاستمرار الصراع العسكري لترسيخ دورها في المنطقة وتوطيد نفوذها. ونجحت.
القرار 1559 الذي صوّت عليه مجلس الأمن الدولي في أيلول العام 2004 كُتب باللغتين الفرنسية والأميركية (بين باريس وواشنطن). على رغم ذلك لم يسعَ الحزب الى “اتقان” اللغة الفرنسية والى التعمّق بالإنكليزية كون النظام السوري كان المستهدف الأساسي. أما سلاح الحزب فقد حضر من خلال بند “نزع سلاح الميليشيات”. لم يعتبر الحزب أنه معني كونه “مقاومة”. عدم اتقان قيادات الحزب للإنكليزية – الأميركية ربما يعود الى كون دوره كان، الى ذاك الحين، محصوراً في لبنان وفي الصراع مع إسرائيل. أما المواجهة مع “الإمبريالية الأميركية” فكانت من مهمة “القيادة العليا” في طهران، وعلى رأسها مرشد الثورة التي تخوض الصراع على مستوى المنطقة.
اليوم اختلف الوضع. طهران “طبّعت” علاقاتها مع واشنطن على رغم استمرار الصراع بينهما في بعض مناطق الإقليم العربي. و”حزب الله” تخطى دوره اللبناني والفلسطيني. أصبح لاعباً أساسياً في العراق واليمن والبحرين. وطرفاً أساسياً في الصراع الإقليمي والدولي في سوريا. لذلك هو اليوم مستهدف من قبل الإدراة الأميركية بشكل مباشر ومختلف. خلال ولايتي جورج بوش الابن كانت واشنطن تسعى لإضعاف الحزب في الميدان العسكري، حيث يملك قوّة لا يستهان بها. مع باراك أوباما اختلفت الاستراتيجية الأميركية. نقلت الإدارة الأميركية الصراع الى الميدانين الدبلوماسي والمالي حيث تفوّق واشنطن لا يُقهر حتى من قبل الدول التي تسعى لأن تكون كبرى مثل روسيا والصين. أولى انتصارات هذه الاستراتيجية الاتفاق النووي الذي أجبرت إيران على توقيعه. بعد إخضاع هذه الأخيرة، يتم اليوم إخضاع “حزبها” في لبنان من خلال تشريعات وقوانين سياسية ومالية تُلزم الدول والمؤسسات التقيّد بها تحت طائلة العزلة السياسية والإفلاس المالي. ومن بين هذه المؤسسات المصارف اللبنانية التي أصبحت بين “مطرقة” حزب الله و “سندان” واشنطن.
أمام هذا الواقع الجديد لا بد لـ”حزب الله” بما تبقى له من “لبنانية” في القرار والممارسة السياسية، العمل على تعميق معرفته باللغة الإنكليزية ليتمكّن من قراءة التدابير الأميركية وقراراتها وقوانينها جيداً ومباشرة وليس عبر ترجمتها الإيرانية أو الإسرائيلية. بشكل أوضح، على الحزب فهم التدابير الأميركية اليوم انطلاقاً من القرار الأميركي بإنهاء “حالة حزب الله” ليس فقط بهدف إضعاف إيران في المنطقة والحفاظ على أمن إسرائيل، إنما أيضاً لإزالة “دور الإزعاج” الذي أصبح الحزب يشكّله للسياسة الأميركية في بعض دول المنطقة. في الماضي لعب النظام السوري هذا الدور ونجح في أن يكون لاعباً إقليمياً لمرحلة. استطاع الاستمرار فيه قرابة الأربعة عقود لأسباب جيوسياسية استثنائية أمّنتها له الحرب الباردة واتفاقية كامب دايفيد وحرب الخليج الثانية… وساعدته جيوسياسة سوريا وموقعها الجيوستراتيجي. هذا الواقع الجيوسياسي العالمي لم يعد موجوداً. وجيوسياسة لبنان لا تسمح للدولة اللبنانية الاضطلاع بدور إقليمي. فكيف ستسمح لفريق لبناني، على رغم القوة العسكرية، التي يمتلكها الاضطلاع بمثل هذا الدور؟!
لقد اعتاد الحزب أن يقرأ السياسة الأميركية باللغة الإيرانية التي تتقنها قياداته منذ التأسيس بحكم التبعية السياسية والعسكرية والمالية التي لا تخفى على أحد، حتى قبل كلام السيّد نصرالله. كما اعتاد أن يقرأها باللغة العِبرية أيضاً وكأنها تخدم فقط أهداف ومصالح إسرائيل. وبالمناسبة تسجَّل للحزب حرفية أفراده في إتقانهم للغة العِبرية. بذلك أظهروا حرفيتهم ليس فقط على المستوى العسكري، إنما أيضاً على مستوى المتابعة الإعلامية والسياسية والثقافية للعدو الإسرائيلي. وقد برهنوا عن ذلك في أكثر من محطة من محطات الصراع.
إضافة الى ضرورة إتقان اللغة الأميركية، على قيادات “حزب الله” تعلّم “اللغة الروسية الجديدة”. في هذا المجال لا يمكنها الاتّكال على الشيعة الشيوعيين الذين يتقنون الروسية – السوفياتية. فهؤلاء لن يقبلوا أن يعلّموهم بعد التنكيل بهم وتكفيرهم في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. فروسيا اليوم لاعب رئيسي في سوريا ولكن ليس بمستوى الولايات المتحدة الأميركية. وعلى “حزب الله” أن يقرأ جيداً سياستها التي تسعى من خلال الاندفاع في الصراع السوري الى رفع العقوبات الاقتصادية والمالية الأميركية والأوروبية عنها وإلى استعادة جزء من دورها في العالم. قوتها السياسية ونفوذها يسمحان لها بخوض مواجهات محدودة للسياسة الأميركية في بعض المناطق، ومنها سوريا، ولكن لا يمكنها خوض مواجهة شاملة أو قيادة محور ضد واشنطن. وفي كل الأحوال لن تسمح لإيران ولا لـ”حزب الله” أن يقاسماها نفوذها ومصالحها الاستراتيجية في سوريا وبخاصة في واجهتها البحرية على المتوسط.
وقد تأخّر الحزب في تعلّم “اللغة التركية”. عليه الإسراع بخاصة بعد الانعطافة السياسية التركية الكبيرة التي تظهّرت في إعادة تطبيع العلاقات مع لاعبين أساسيين في المنطقة: إسرائيل وروسيا.
سبب الغوص في ضرورة اتقان “حزب الله” كل تلك اللغات التي تعني قراءة السياسات الدولية جيداً لحماية نفسه ولبنان، هو إصرار أمينه العام، في الخطاب الذي أعلن فيه صراحة أنه يقبض المال من إيران، على المضيّ في معركة حلب. إنها مغامرة كبيرة لعدّة أسباب:
أولاً، إن معركة حلب ليست كمعارك القصير أو القلمون. والاستيلاء عليها ليس بسهولة فك الحصار عن النبّل والزهراء الشيعيتين. جغرافياً، حلب هي ثاني المدن السورية بعد العاصمة دمشق. تسيطر المعارضة على حوالي ثلاثة أرباع مساحتها. وكما يولي الحزب، ومن خلفه إيران، أهمية استراتيجية لها، كذلك تولي المعارضة والدول الداعمة أهمية أكثر من استراتيجية بخاصة وأنها آخر معقل لها على الجغرافيا السورية. بالتالي ستخوض هذه الأخيرة المعركة بكل قواها العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
ثانياً، إن المعارضة السورية قد حصلت بعد نيسان الماضي على أسلحة نوعية متطوّرة تحضيراً لمعركة حلب. بالتالي الهجوم عليها أصبح أكثر كلفة. وقد بدا ذلك في الخسائر البشرية التي تكبّدها الحزب ولا يزال.
ثالثا، إن الاندفاعة العسكرية الروسية التي بدأت في أيلول 2015 واستمرت حتى وقف إطلاق النار في 27 شباط الماضي، لم تعد هي ذاتها. بالتالي الغطاء الجوي لمعركة حلب لن يكون مؤمّنا كما في السابق.
رابعاً، إذا تفهّم بعض اللبنانيين انغماس الحزب في الحرب السورية لإبعاد خطر التكفيريين (الذين كانوا في طريقهم عبر بلدة القاع نحو أهداف في الداخل اللبناني)، فإن ذهابه فيها حتى حلب لن يُفهم سوى في خانة تنفيذ الأوامر الإيرانية انطلاقاً من القول الفرنسي المأثور: qui donne ordonne. في هذا المجال أتى كلام السيّد بمثابة وثائق ويكيليكس التي أكّدت المؤكّد. أسقط “ورقة التوت” عن مقولة استقلالية قرار الحزب التي كان يتغنّى بها في قراره خوض الحروب في المنطقة، وفي المواقف من الصراعات فيها، وفي الصراعات السياسية الداخلية، وأبرزها انتخابات رئاسة الجمهورية، التي جعلها مرتبطة ارتباطاً عضوياً بصراعات المنطقة والعالم.