#adsense

محاضر لقاءات جعجع الرئاسية: ماذا بعد انتخاب عون؟

حجم الخط

 

كأن السؤال لم يعد هل ينتخب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية؟ يمكن القول إنه صار: ماذا بعد انتخاب عون رئيسًا للجمهورية؟ وكأن السؤال أيضًا لم يعد لماذا لا يريد “تيار المستقبل” والرئيس سعد الحريري السير بترشيح العماد عون والتخلي عن ترشيح النائب سليمان فرنجية، بل أصبح هل يريد “حزب الله” عون رئيسًا للجمهورية؟ من يراقب الحركة السياسية يلاحظ تبدلاً جذريًا في مقاربة ملف الرئاسة. هذا التبدل أحدثه في شكل أساسي رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع من خلال حركته الرئاسية التي صبت وتصب في اتجاه دعم انتخاب العماد عون رئيسًا وعدم الوقوف الدائم في محطة إعلان ترشيحه فقط منذ حصل ذلك في 18 كانون الثاني في معراب. هذا الواقع يمكن قراءته من خلال اللقاءات التي جمعت الدكتور جعجع مع كل من النائب وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري ووزير خارجية فرنسا جان مارك إيرولت. فماذا حصل في هذه اللقاءات؟

في ليلة خريفية من الليالي الباريسية ولدت محاولة ترشيح الرئيس سعد الحريري النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. منذ ذلك التاريخ تبدل المشهد الرئاسي كثيرًا. كان من المفاجئ أن يبادر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى الإتصال بالنائب فرنجية شبه مبارك له بوصوله إلى قصر بعبدا بعدما كان استقبل الرئيس الحريري. ولكن عندما حط الرئيس هولاند في بيروت في 16 نيسان الماضي لم تكن ورقة ترشيح فرنجية وحدها على الطاولة. كانت كأنها صارت احتمالاً ضعيفا أو ملغى. لم يحمل الرئيس الفرنسي طرحًا محددًا. أجرى لقاءاته السريعة على عجل في قصر الصنوبر، ذاك القصر الذي شهد إعلان ولادة دولة لبنان الكبير في أول أيلول من العام 1920 مع الجنرال غورو يحاول أن يحافظ على قدرته على التأثير في تقرير مصير لبنان بعدما كان الرئيس جاك شيراك لعب دورًا أساسيًا مع الرئيس جورج بوش في إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1559 في أيلول 2004 الذي يتمحور حول نقطة أساسية وهي استعادة الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها وأن يبدأ هذا المسار بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ومنع التمديد للرئيس إميل لحود وسحب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح “حزب الله”.

اليوم تعود اللعبة إلى نقطة الصفر في ظل عدم انتخاب رئيس للجمهورية ولذلك يجب أن تكون هناك بداية جديدة لمسار استعادة السيادة واستكمال تطبيق القرار 1559 عبر انتخاب رئيس للجمهورية. فهل يمكن أن تنجح المحاولة اليوم؟ وما الذي تغيّر مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت إلى بيروت في 11 و12 تموز؟

قبل أن يصل إيرولت كان هناك بعض التغيير الذي بدأ يطرأ على المشهد الرئاسي. لم يكن النائب وليد جنبلاط بعيدًا عن التقاط اتجاهات الحركة السياسية عندما أعلن أنه لا يعارض وصول العماد عون إلى قصر بعبدا بعد التفاهم الذي حصل بينه وبين الدكتور سمير جعجع لأنه لا يجوز الوقوف في وجه الإجماع المسيحي بحسب رأيه. كان هذا التعبير السياسي كافيًا لمحاولة إحداث اختراق لأنه ينطلق من قاعدة يمكن البناء عليها وتعميمها. وعلى هذا الأساس كان اللقاء الذي عقد بين الدكتور سمير جعجع والنائب جنبلاط في دارة عضو كتلة نواب اللقاء الديمقراطي النائب نعمه طعمه  في الرابية. ليست اللقاءات كثيرة بين رئيس حزب “القوات اللبنانية” ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي ولكنها على رغم قلتها فهي تحصل عندما تكون هناك ضرورة سياسية لذلك. لم يكن النائب جنبلاط بعيدًا عن وجهة نظر “القوات اللبنانية” في تبني ترشيح العماد ميشال عون لأنه من الأفضل انتخاب رئيس للجمهورية في ظل الوضع السيئ سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا ومن الأفضل أن يكون العماد عون طالما أن هناك شبه إجماع مسيحي عليه وأن “حزب الله” متمسك به. بحسب المعلومات إن النائب جنبلاط لديه قلق كبير من خطورة التطورات في سوريا والمنطقة ويعتبر أن الرهان الأول للبنانيين يجب أن يكون على استعادة الدولة وأن استعادة الدولة تبدأ من انتخاب رئيس الجمهورية وأنه يفضل لذلك أن يتم التفاهم أيضًا مع الرئيس سعد الحريري حول هذا الموضوع وذلك انطلاقا أيضًا من إدراكه أن لبنان لا يمكن أن يبقى تحت وصاية “حزب الله”.

بحسب مصادر في “القوات اللبنانية” كان لقاء الدكتور جعجع مع النائب جنبلاط ممتازًا وعلى هذا الأساس انتقل جعجع بعد يومين للقاء الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط في سحور مختصر. كانت الجلسة جيدة في الإجمال بحسب مصادر “القوات اللبنانية”. بدا الرئيس سعد الحريري مستمعًا جيدًا إلى طرح الدكتور جعجع حول ضرورة الإسراع بانتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية ولكن من دون أن ينتقل إلى التخلي عن ترشيحه النائب سليمان فرنجية وإن كان بات مدركاً أن هذا الترشيح لن يصل إلى مكان. سأل الرئيس سعد الحريري عن الضمانات في حال انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية وطرح مسألة قبول قواعد “تيار المستقبل” بترشيحه العماد ميشال عون لأن لديه خشية من تأثير ذلك على شعبيته بعدما خسر جزءًا من هذه القواعد بسبب ترشيح فرنجية. الدكتور جعجع قدم له عرضًا عن الأسباب الموجبة للسير في انتخاب عون بسبب خطورة الوضع في المنطقة واحتمال تأثيره على لبنان معتبرًا أن الإلتفاف حول ترشيح العماد عون وحول انتخابه هو الذي يشكل الضمانة للجميع وأن هذه العملية ستحرج “حزب الله” بحيث تجعله عاجزًا عن تعطيلها ومضطرًا للسير بها لأنه لا يستطيع أن يكون ضد هذا الإجماع حول العماد عون إذا حصل.

نتيجة هذين اللقائين تبلغها العماد ميشال عون من الدكتور سمير جعجع عبر رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” ملحم الرياشي. وفي محاولة منه أيضًا لكسر الجمود الحاصل حول ترشيحه بادر العماد عون إلى زيارة الرئيس بري ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لمعايدتهما بمناسبة عيد الفطر واتصل بالسفير السعودي علي عواض العسيري مستنكرًا التفجيرات الإرهابية التي استهدفت المملكة.

في ظل كل هذه التطورات أتت زيارة وزير خارجية فرنسا إلى بيروت. الساعة السادسة إلا عشر دقائق بعد ظهر اليوم الأول لوصوله كان لقاؤه مع الدكتور سمير جعجع في قصر الصنوبر. كان اللقاء وديًا بشكل عام وكان هناك حرص فرنسي على الإطلاع على وجهة نظر الدكتور جعجع في مسألة ترشيح العماد عون وإمكانية انتخابه ومرحلة ما بعد الإنتخاب. رحب الوزير إيرولت بالدكتور جعجع وبدأ حديثه مختصرًا أهداف زيارته مبديًا حرصه على إبقاء لبنان بمنأى عن التطورات في المنطقة ومنع انتقال الحرائق إليه ومعتبرًا أن الفراغ الرئاسي يضعف لبنان ويعرضه لمخاطر كثيرة ويجعله مكشوفاً وأن بلاده ليس لديها النية للتدخل في الشأن الداخلي اللبناني وفرض الحلول ولكن كصديقة للبنان تحاول فرنسا أن تلعب دور المسهّل لإيجاد الحلول. تطرق الوزير الفرنسي سريعًا إلى موضوع اللاجئين السوريين معتبرًا أنه يشكل عبئاً على لبنان مبديًا استعداد بلاده للمساعدة في هذا المجال. تحدث الوزير الفرنسي أيضًا عن قضية تسليح الجيش اللبناني متمنيًا أن تساعد الدول الصديقة لبنان في هذا المجال كاشفاً أنه على تواصل مع نظيره السعودي من أجل أن تعيد المملكة العربية السعودية النظر في موضوع الهبة التي كانت خصصتها لشراء أسلحة فرنسية للجيش اللبناني خصوصًا أن فرنسا مستمرة في تصنيع هذه الأسلحة وهي تأمل أن تعود في النهاية لتعطى إلى الجيش.

بعدما انتهى الوزير الفرنسي من عرض تصوره للوضع ولأهداف زيارته سأل الدكتور جعجع عن نظرته للأمور: “يهمني الإطلاع على رأيكم ونحن نتابع خطواتكم في هذا المجال خصوصًا محاولتكم كسر الجمود الرئاسي من خلال تبني ترشيح الجنرال عون لرئاسة الجمهورية فهذه الخطوة لها بعد لبناني داخلي بامتياز حتى ولو بقي الملف اللبناني متداخلاً مع ملفات المنطقة”.

في مداخلته شجع الدكتور جعجع على الإستمرار في عملية دعم الجيش اللبناني وتسليحه معتبرًا أن هذا الموضوع يبقى أساسيًا في دعم مقوّمات الدولة وحماية الأمن مضيفاً أن المدخل إلى إعادة بناء الدولة والمؤسسات يكون عبر انتخاب رئيس للجمهورية. وبحسب مصادر “القوات” اعتبر الدكتور جعجع أن إيران و”حزب الله” ليس لهما مصلحة في انتخاب الرئيس لأن إيران تريد ثمناً مقابل ذلك في المنطقة وخصوصًا في سوريا ولأن “حزب الله” مستفيد من ضعف الدولة والفراغ الرئاسي لتبقى لديه القدرة على التحرك من دون ضوابط. جعجع اعتبر أيضًا أن انتخاب أي رئيس للجمهورية قد يريح البعض وقد لا يريح البعض الآخر ولكن عدم انتخاب الرئيس والبقاء في الفراغ هو الأسوأ لأنه يصيب كل اللبنانيين ولذلك “كان علينا أن نعمد إلى خطوة ترشيح العماد ميشال عون وتحمل مسؤولياتنا والسعي لإيجاد حل لبناني للأزمة التي نعيشها”.

مصادر “القوات” أضافت أن الوزير الفرنسي سأل الدكتور جعجع عن الضمانات في حال انتخاب العماد عون وقالت أن الدكتور جعجع كرر أن الضمانات هي في تكريس المحافظة على المبادئ التي تم الإعلان عنها عند ترشيح العماد عون من معراب وتتعلق بالمحافظة على الطائف وعلى السيادة ودور الجيش والقوى الشرعية وهي تكون أيضًا مؤمنة من خلال التفاف اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم حول العماد عون وقد أكد الدكتور جعجع على أنه التقى النائب جنبلاط والرئيس الحريري لهذه الغاية وأن المطلوب أن تكون الأطراف الأساسية في لبنان وخصوصًا “تيار المستقبل” مشاركين في هذه العملية.

هنا تقول الأوساط القواتية أن الوزير الفرنسي سأل الدكتور جعجع عما إذا كان الرئيس سعد الحريري يمكن أن يكون مدخلاً إلى هذا الحل؟ وأن الدكتور جعجع كانت إجابته محددة: “الرئيس سعد الحريري ليس سببًا للتعطيل ولكنه يمكن أن يكون مدخلاً للحل”.

سأل الوزير الفرنسي عما إذا كان “حزب الله” يسهّل تشكيل الحكومة في حال انتخاب العماد عون؟ فكان جواب الدكتور جعجع أن “حزب الله” لا يمكنه أن يقف في مواجهة الإجماع اللبناني إذا تحقق حول العماد عون.

سأل الوزير عن موضوع السلة الشاملة المطروحة للحل التي تشمل رئاسة الجمهورية والحكومة وقانون الإنتخابات والإنتخابات. الدكتور جعجع عبّر عن رفضه لها لأن كل ملف من هذه الملفات له تعقيداته ولا يمكن ربطها ببعضها وأن أول ملف يجب العمل عليه والبدء منه هو ملف رئاسة الجمهورية الذي على أساسه يتم حل الملفات الأخرى بالتدرج من تشكيل الحكومة أولا إلى وضع قانون للإنتخابات إلى إجراء الإنتخابات النيابية.

استمع الوزير الفرنسي باهتمام الى ما قاله الدكتور سمير جعجع. كان يريد أن يكوِّن صورة شاملة عن الملفات. استمر اللقاء نحو نصف ساعة. بقي الدكتور جعجع بعدها في قصر الصنوبر بانتظار موعد العشاء الساعة الثامنة والنصف تقريبًا. خلال ذلك حصل لقاء سريع مع الرئيس سعد الحريري الذي كان وصل للقاء الوزير الفرنسي ثم غادر من دون أن يشارك في العشاء لاضطراره للسفر الى خارج لبنان.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل