
هو تقليد أو قل عهد التزمه الخوري هاني طوق ليكون للإعلاميين مساحة يتعرفون من خلالها إلى معالم سياحية تحاكي التاريخ وتجعل من الجغرافيا أكثر من مجرد مساحة وطن. ولتعميم الزوادة الفكرية والتراثية التي يحملونها معهم من كل محطة فيكونون بمثابة رسل لوطن أكبر من رسالة.
هو تقليد يترجمه الخوري طوق للسنة الثانية ويطوف به مع الإعلاميين في أرجاء وطن لينقلوا الحقيقة تماما كما بشر الرسل بتعاليم يسوع المسيح. حقيقة مفادها واحد أن يد الخالق التي حفرت وهندست في ثناياه لم تكن صدفة. لكن التقليد تحول عرفا وعلى خطى هذه الأرض مشى أكثر من 100 إعلامي في رحلة “الأرز… أحلى بعيونك”. رحلة ما كانت لتكون أحلى لو لم ندخل في روحانية المعالم السياحية التي بدأت من بيت القديس شربل والمغارة التي كان يلجأ إليها ليعيش صمته وصولا إلى مغارة قاديشا. هناك تأكدنا مما كُتب وسيكتب للتاريخ: “لا تخافوا على لبنانكم تحت أفياء الأرز”.
الثامنة والنصف من صباح الخميس 7 تموز الجاري انطلق الوفد الذي ضم نحو 100 إعلامي من مؤسسات مرئية ومسموعة ومكتوبة عديدة بعدما توزعوا على 3 حافلات “بولمان” كانت تنتظرهم في باحة ملعب فؤاد شهاب في جونيه. هناك كان الخوري هاني طوق ينتظر الإعلاميين ويرحب بكل منهم ليكمل جولته ويتأكد من الحضور بحسب الأسماء المسجلة على المفكرة.
مع اكتمال الترتيبات انطلقت الحافلات ومعها رحلة البحث عن تاريخ محفور في كل صخرة ودير وقرميد وسهل زراعي. الشرح المسهب الذي تولاه الخوري طوق اختصر المسافات خصوصا المعلومات التي سردها أمام الإعلاميين عن أصل أسماء البلدات التي كنا نجتازها ابتداء من حاجز المدفون وغالبيتها تعود إلى اللغة السريانية. لكن هذا المخزون من المعلومات لم يكن صدفة “بيهمني نتعرف كلبنانيين على تاريخ جدودنا وعلى جذورنا من خلال الرحلات اللي عم نقوم فيا”. والثابت أن الخوري طوق أصاب في اختياره القالب الذي يوصل من خلاله الرسالة والأهداف التي رسمها عندما قرر أن يحول الرحلة السنوية إلى تقليد. ويقول: “الهدف الأول من تنظيم رحلة سنوية للإعلاميين هو أن نمنحهم مساحة يتلقون من خلالها معلومات عن جذورنا وتاريخنا. مساحة يرتاحون فيها من هموم نقل الخبر والبحث عن المتاعب ونشكرهم بالتالي على الجهد الذي يقدمونه على مدى 365 يوما من دون كلل أو تعب. الهدف الثاني هو التعرف إلى مناطق لبنانية في عمقيها الديني والسياحي والتي يستحيل على الفرد إعلاميا كان أم موظفا أن يجول بها في يوم واحد. من هنا نحرص على الدقة في اختيار المناطق التي ستدرج على برنامج الرحلة بحيث تجمع في تاريخها وجغرافيتها بين المعالم السياحية والدينية والتجذر”.
كل لبنان يحمله الخوري هاني طوق في الرحلة التي ينظمها سنويا. ولا يخفي جرأته في التكلم عن جذوره المسيحية من خلال سرده لتاريخ الموارنة وسيرة القديسين الذين عاشوا في المغاور. لكنه في المقابل يشدد على ضرورة قبول الآخر في هذا الوطن “الرسالة”، حتى أنه يعيش ويترجم مفهوم العيش معا وقبول الآخر بدليل أن الرحلة السنوية التالية التي أعلن عن برنامجها المبدأي أمام الإعلاميين تجمع بين معالم سياحية ودينية تابعة لطوائف إسلامية. كل هذا يحصل في يوم واحد. يوم أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه يوم العودة إلى الأرض وخيراتها، إلى الجذور وصلابة الإنسان وعظمة القديسين الذين عاشوا في المغاور والأديرة المحفورة في الصخور. ومن هنا تبدأ الحكاية.
المحطة الأولى في دير ما حوشب في بقاعكفرا حيث كانت الترويقة البلدية والتحلية من فاكهة وخيرات أرض القضاء. “هنا كل المزروعات عضوية” يقول الخوري طوق. لكن قبل الزوادة البلدية كان لا بد من زوادة روحية عن تاريخ هذا الدير الذي بني قبل 200 عام. زوادة تولى شرحها خادم رعية بقاعكفرا الخوري ميلاد مخلوف: “في هذا الدير الذي تحتفل الكنيسة بعيد شفيعه مار حوشب في 22 حزيران، وبقاعكفرا في 5 تشرين الأول تلقى القديس شربل علومه تحت “المشمشة” وكان يأتي يوميا للصلاة واللقاء مع الله الذي كان يحاكيه بصمت. ومع ذلك كان صداه يتردد في الوادي ولا يزال حتى اليوم، بدليل الشفاءات المدوّنة في سجلات دير مار حوشب والمثبتة دينيا وعلميا بشفاعة مار شربل”.
شعور الرهبة وحضور القديس شربل يجتاح كل من تطأ قدماه أرض الدير. وما عداه تفاصيل. من ساحة الدير إلى الكنيسة التي تم تأهيلها منذ أعوام مع الحفاظ على بعدها الديني والتراثي وصولا إلى الطاقات التي كان يجلس وراءها الرهبان للإختلاء بصوت الله. وقبل أن نغادر يصر الخوري ميلاد مخلوف على تزويد كل إعلامي ببرنامج احتفالات القديس شربل في بلدته بقاعكفرا لمناسبة عيده السنوي “مار شربل حاضر بحياة كل إنسان تا نشهد لمسيحيتنا ونكون شهود للحق وكلمة الله”.
المحطة التالية بيت شربل والمغارة التي كان يصلي فيها. الخوري هاني طوق يتولى الشرح: “كل يوم كان شربل يزور المغارة مع بقرته “مباركة” كما كان يناديها للصلاة والعبادة والإختلاء بالذات، ويُروى أنه كان يحاكيها قائلا: “إنت بترعي خارج عتبة هالمغارة. هون دوري إرعى”. ويضيف: “الصمت كان يميّز شربل كما يصر الخوري طوق على مناداته فهو لم يعظ ولم يعلّم ولم يكتب نصا ولا يوجد كتاب بإسمه باستثناء توقيع واحد وُجد بإسمه على عريضة. حتى أنه لم يقم بأعمال الرحمة المتعارف عليها كمثل زيارة مرضى أو معوقين أو مسنين أو فقراء أو أرامل ولم يعمّد إلا طفلا واحدا يحكى أنه من بقاعكفرا… شربل قدم ذاته للروح الإلهية ولم يسكن إلا في قلب الله ولم يسمح إلا لله وحده أن يسكن في قلبه”.
ندخل المغارة حيث الخشوع والصلاة ورهبة الصمت الذي عاشه القديس شربل حتى خلال عمله في الحقل على مدى 23 عاما. وهذا الصمت جعله من أكثر القديسين قدرة على صنع العجائب، ولا يكاد يمر شهر إلا وتسجل نحو 15 أعجوبة شفاء مثبتة للقديس شربل. لكن عظمة هذا القديس لا تقتصر على عجائبه “فهذا القديس عاش في قلب الله صامتا خاشعا لا يميّز بين مسيحي وآخر أو بين طائفة وأخرى، من هنا يقول الخوري طوق: “رسالتنا اليوم هي الأسمى والأجمل لأننا للأنناننا نسير معا في أرض بقاعكفرا ونجول في بيت شربل والأماكن التي عاش وصلى فيها بفرح، أكثر من ذلك نتخاطب ونتقاسم لقمة العيش معا لنعيش المستقبل معا”.
من المغارة إلى كنيسة مار شربل العتيقة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 400 عام. وفيها جرن العماد الذي تعمد فيه شربل مخلوف في 16 ـ 5 ـ 1828 ومسح الكاهن جبينه بزيت الميرون. هنا لا يمكن للزائر إلا أن يتخيل المشهد الديني والروحي لسر العماد وأيضا التواضع والبساطة التي كانت ولا تزال تكلل مراسم سر العماد المقدس في القرى وتحديدا في بقاعكفرا. نجول في تفاصيل حرمة هذا المكان المقدس. الأبواب الخشبية لا تزال على ” طبيعتها” على عكس حالها في الكنيسة الجديدة المشيدة حديثا والمقاعد التي تآكلت مع الزمن لا تخلو من المؤمنين في غالبية أيام السنة.
وعلى رغم زحمة الزوار الذين يؤمون المكان بالمئات يوميا بحسب القيمين على المكان المقدس يبقى للصمت صداه خصوصا في بيت شربل الذي ولد فيه عام 1828 وتحول إلى مكان للحج بعدما تسلمته الرهبنة اللبنانية المارونية. بيت قديم لكنه ينضح بالقداسة والإيمان. وليس عبثا أن يطلق عليه إسم “مشتل القداسة”. رائحة البخور تعم الأرجاء وتتغلغل في مسام الجدران التي حافظ ورثة البيت الأوائل من آل شليطا والرهبنة اللبنانية المارونية حاليا على طابعها التاريخي. وقبل مغادرة الوفد بيت شربل يعلق الخوري طوق “قبل ما نفل بدنا نصلي على نية كل بيت وكل عيلة حتى نربي ولادنا متل ما تربى مار شربل”. ومن عتبة البيت الذي خرَّج قديسين إلى المتحف الذي يضم مقتنيات القديس شربل ومخطوطات وذخائر قديسي الرهبنة اللبنانية المارونية.
حركة الزوار داخل أحياء بقاعكفرا تبرز أهمية تحول هذه البلدة إلى معلم سياحي بامتياز. لبنانيون من كل الطوائف، سياح أجانب ومغتربون يؤمون الأرض التي تنضح قداسة للصلاة ونيل البركة وغالبا لنيل نعمة الشفاء من طبيب القديسين مار شربل. وما يعزز من مكانة هذه البلدة التي تحولت إلى معلم سياحي على خارطة السياحة الدينية طيبة أهلها واستقبالهم للضيف الذي يشعر أنه لا محالة في بيته. “تفضلو اشربو قهوة”. وقبل أن تبادرهم بكلمة شكر تكون صينية القهوة حضرت مع صحن فاكهة من خيرات الأرض. هذه الخيرات المباركة بنعم شربل التي تنتشر صوره على شرفات المنازل والمحال التجارية وسطوح منازل القرميد. وقبل مغادرة الموقع لا بد من زيارة أحد محال التذكارات التي تنشط حركتها في هذه الفترة من السنة ولا تكتمل المونة إلا ببخور وزيت مار شربل.
المحطة التالية بحسب البرنامج مغارة قاديشا.. “قدامكن كيلومتر أو أكتر شوي حتى نوصل للمغارة يقول الخوري طوق الذي كان يشرح للوفد طيلة الوقت عن البعد التاريخي والتراثي والديني لوادي قاديشا.
السير في طبيعة هذا المكان لا تشبه حتما أي مكان آخر. وقبل الدخول إلى المغارة يتولى الخوري طوق توزيع الوفد إلى فرق يضم كل منها نحو 40 شخصا ويشرح: “تم اكتشاف هذه المغارة عام 1920 على يد أحد رعاة الماعز الذي كان يجول مع قطيعه في أرجائها. فأضاع عنزة ولحق بها إلى أن وجدها داخل المغارة ومن حينه تم اكتشاف مصدر نبع مياه قاديشا. حصل ذلك إبان عهد الإنتداب الفرنسي، وتولى فريق من الفرنسيين شق “طريق إجر” للوصول إلى المغارة. وبقيت على هذه الحال إلى أن تم توسيعها وتحويلها إلى معلم سياحي. وفي العام الماضي وقعت بلدية بشري عقدا مع مؤسسة ألمانية يقضي بتلزيمها أعمال تأهيل طريق المغارة وإنارتها بالإضافة إلى تأهيلها من الداخل مع الحفاظ على بعديها البيئي والتراثي.
من مغارة قاديشا إلى غابة الأرز. هكذا كان مقررا بحسب البرنامج. لكن بسبب ضيق الوقت وتصويت الغالبية سلفا على مغارة قاديشا بعدما كان الخيار بينها وبين غابة الأرز والتزاما بمفهوم التصويت الديمقراطي تم إلغاء زيارة غابة الأرز. لكن الحلم لن ينتهي هنا.
في طريق العودة تكر الصور وتستعيد بعضا من المعلومات التي زوّدنا بها الخوري هاني طوق. والثابت أن شعار “الأرز… أحلى بعيونك” أصاب خصوصا أننا شاهدناه من أرض القداسة وذاكرة الخوري طوق التي تنضح صلابة وتجذرا بتاريخ هذه الأرض. وإلى الموعد في السنة المقبلة مع برنامج جديد وزوّادة حكايات عن وطن يرتاح على أهداب قديسيه وتحت فيء أرزاته.
