خطر الانتشار النووي في الشرق الأوسط مسألة واقعية!
في بداية شهر أيار (2009)، وبمناسبة استقبال الرئيس المصري لوزير خارجية اليابان، واستعراضه لرؤية بلاده وتقويمه للوضع الإقليمي بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، إعرب عن تخوفه من دخول المنطقة برمتها في دوامة سباق التسلح، مشدداً على ضرورة أن يقترن الحديث عن الملف النووي الإيراني بحديث مماثل عن أسلحة الدمار الشامل كافة في المنطقة. وأشار إلى أن لمصر مبادرات عديدة على الصعيد الدولي لإخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، محذراً من مخاطر السباق النووي وانعكاساته على الأمن والسلم الإقليمي والدولي، مذكراً بأن الجهود الدولية الرامية إلى تسليط الضوء على البرنامج النووي الإيراني، لا بد أن تقترن بجهود موازية ومماثلة تتناول البرنامج النووي الإسرائيلي.
وكلام الرئيس المصري يستند إلى وقائع ومعلومات وتقارير صادرة عن أهم مراكز الأبحاث الدولية. منها على سبيل المثال ما كان صدر في وقت سابق عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية والذي يتخذ من لندن مقراً له، وفحواه أن "البرنامج النووي الإيراني سوف يدفع دولاً أخرى في المنطقة إلى التفكير في الشروع بإقتناء التكنولوجيا النووية (ودائما كما يُقال لأغراض سلمية). ولم يغفل التقرير إمتلاك الدولة العبرية لترسانة نووية متطورة حيث أنها تحتل المرتبة التالية بعد الدول الست الكبرى في هذا الحقل، مستبعداً قبول إسرائيل التخلي عنها حتى يصبح الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح.
وكشفت تقارير لاحقة في الفترة ذاتها صادرة عن المعهد نفسه عن خشية المجتمع الدولي من عدوى إنتشار امتلاك الطاقة النووية في منطقة الشرق الأوسط، محملة إيران وإسرائيل على حد سواء مسؤولية الإعلان الحالي، لما لا يقل عن 13 دولة عربية إضافة إلى تركيا، عن رغبتها في المضي ببرامج لانتاج الطاقة النووية المدنية أو لاستكشافها.
ولكن بالرغم من كون خطر الانتشار النووي على صعيد الشرق الأوسط ما زال "حقيقياً من دون أن يكون وشيكا"، وبالرغم من وجود العديد من العوائق التكنولوجية الناتجة عن افتقاد بعض الدول العربية للعلماء والتقنيين القادرين على تحقيق هذا الطموح، ناهيك عن عدم حتمية العلاقة بين بناء المفاعلات النووية للأغراض السلمية وبين صناعة القنابل النووية، تظل ظاهرة الاهتمام المذكورة من قبل الدول العربية كافة، مقلقة وتحمل على التساؤل حول الحوافز الحقيقية الكامنة وراء هذا الاهتمام، وهل هي فعلا لتلبية احتياجات مدنية (في منطقة تكثر فيها منابع الطاقة الطبيعية)، أم هو لتحقيق أهداف إستراتيجية أخرى.
وبانتظار العقود المقبلة حيث من المحتمل ظهور النوايا الحقيقية الكامنة وراء هذه البرامج،لا بد من التذكير بأن الإمارات العربية كانت قد اتخذت قراراً بالتعاون مع فرنسا لبناء مفاعلات نووية لانتاج الطاقة المدنية، من المقدر أن يبدأ العمل فيه في غضون عام 2017. وكانت قد تحدثت وسائل الإعلام عن اتفاق مماثل وقعته البحرين مع الولايات المتحدة، وعن مباحثات جرت بين الحكومة الفرنسية في عهد شيراك وبين دولة قطر، والمملكة المغربية، في شأن تنفيذ برامج نووية مشتركة. مع العلم أن كلاً من مصر وتركيا كانت قد أعلنت في أوقات سابقة عن خطط لامتلاك مفاعلات نووية في غضون العقد القادم، كما بدأت تونس دراسة جدوى لمشروع نووي فيما كشفت كل من الجزائر والاردن نيتهما السعي للحصول على الطاقة النووية.
وفيما خص مصر التي وقعت اتفاقية تعاون مع روسيا في هذا المجال، تنبأت بعض الصحف الأميركية الصادرة في الآونة الأخيرة، بأنه في ظل استمرار تعثر عملية السلام في الشرق الأوسط من ناحية، وفي ظل التعنت والمراوغة الإيرانية من ناحية أخرى، سوف تكون مصر السباقة لانتاج الطاقة النووية بحكم امتلاكها للارضية التكنولوجية الصلبة. وهو أمر قد يدفع إسرائيل إلى الاقرار علناً ببرنامجها النووي العسكري، والذي ما زالت تتحفظ على سريته حتى الساعة. غير أن إعلان إسرائيلي من هذا النوع سوف تكون له عواقب وخيمة، إذ أن الحكومات العربية سوف تجد نفسها أمام شعوبها مضطرة لاعلان نواياها الدفاعية، ومن ثم مباشرتها ببناء مفاعلات لأغراض عسكرية أو ما يسمى بالرادعة. ويكون السباق النووي قد انفجر في منطقة تعتبر من أكثر المناطق في العالم تقلباً وتزعزعاً نسبة لاحتوائها لمنابع التطرف الديني والارهاب المنظم.
وإن سعينا لحصر أساس هذا الانتشار النووي الشرق أوسطي يمكن القول بأنه انطلق من الهند ومن رعاية الولايات المتحدة لبرنامج إتناج الطاقة النووية فيها والذي ظهر إلى العلن بتاريخ 3 آب 2007. ولقد تعمدت حينها الولايات المتحدة الاعلان عن مراقبة الوكالة الدولية للطاقة النووية لـ14 مفاعل من أصل 22، ما يعني أنها كانت تريد أن توصل رسالة لمن يعنيهم الأمر بأن المفاعلات الأخرى لن تخضع للرقابة، وبإمكانها إنتاج ما يقارب المئة قنبلة نووية وهي النسبة المطلوبة في مجال الردع النووي. والرسالة الرادعة كانت موجهة أولاً للصين، وهي القطب الصاعد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كما وأيضاً لإيران والعالم العربي والاسلامي على حد سواء. أما القوس النووي الذي كانت تخطط له الولايات المتحدة فكان يرتكز شرقاً في اليابان والهند، وصولاً إلى إسرائيل، على أن تهيمن عليه الولايات المتحدة، ليخدم مصالحها الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط حيث منابع النفط. وفي العقود التي تلت، كرت السبحة فقامت باكستان ببناء مفاعلاتها بحثا عن توازن استرتيجي وعسكري مع الهند، كما سعت إيران وربما العراق لتطوير برامجها النووية لمواجهة البرنامج الإسرائيلي، واليوم ربما سوريا أيضاً، وغداً الدول العربية والخليجية الأخرى…..