#adsense

حكومة الديمقراطية التوافقية وسقوط النظام

حجم الخط

حكومة الديمقراطية التوافقية وسقوط النظام
المحامي جورج ابو صعب

بين الفرحة المبتورة بتجاوز قطوع "الابتزاز" ومرارة الحقيقة التي تجسدت في تشكيلة الحكومة الجديدة، يقف المواطن المغلوب على امره ومن وراءه الرأي العام الاستقلالي ونحن منه بشيء من الحيرة والاسى على خاسر وحيد الا وهو النظام اللبناني وتقاليد النظام البرلماني الديمقراطي.

هذه هي حصيلة بدعة "الديمقراطية التوافقية" التي باتت تعني بالنسبة للكثيرين مرادفا لمصطلح "سقوط النظام".

ما نقوله ليس من باب التشاؤم بل من باب مراجعة الذات، ومراجعة مسيرتنا في 14 اذار والتيار الاستقلالي والسيادي، لان ما حصل وان كان قد أخرج لبنان من أزمة سياسية عقيمة الا انه أخرجه على انقاض "جمهورية دستورية" هوت بدورها وتلاشت ملامحها.

وعلى الرغم من التنبيه والتنبه المسؤوليَن لدولة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في كلمة المحارب الذي خرج من معركة مصير منهكا وهو كان يواجه في حقيقة الامر قوى التعطيل الخارجية قبل الداخلية. ذاك التنبيه الذي شدد فيه على ضرورة ان لا يتحول ما حصل الى سابقة تطيح بالنظام او بما تبقى منه ومن منعته. الا اننا لا نستطيع كرجال علم وقانون ودستور الا ان نعي حقيقة اليمة، هي نفسها الحقيقة التكاذبية التي رعت العلاقات السياسية بين اللبنانيين على مر السنوات الستين منذ عهد الاستقلال الاول والى ايامنا هذه. حقيقة التكاذب التي عدنا اليها، فيما يشبه زواجا "مارونيا" ولكن بالاكراه لا بالبطولة والقناعة والاقتناع.

رب قائل الان لنا: ما بال هؤلاء القوم يتشاءمون ويرى الناحية الفارغة من الكوب. ونحن نجيب هذا القائل: ان الناحية الملاءنة من الكوب هي تحديدا ما نهدف في كلامنا الان – لانها الناحية التكاذبية – ناحية لفلفة المشاكل – وتأجيل الازمات ونقلها من طور الى طور.

فمن منا يصدق ان حزب الله سوف يتنازل عن تفرده بالسلاح وعن قدسيته وعن دويلته من أجل الدولة؟

ومن منا يصدق ان قوى 8 اذار لن تستمر في اعتماد اجندات خارجية على حساب مصالح لبنان الحيوية والذاتية؟

ومن منا يصدق ان قوى 8 اذار تخلت عن مشروعها المحوري الاقليمي وجاءت مطواعة للانضمام الى كنف الدولة؟

ومن منا يصدق ان مشروع 8 اذار تحول الان وبسحر ساحر الى مشروع بناء الدولة القوية والقادرة تحت الشعار المبتذل والخبيث "المشاركة"؟

ومن منا يصدق ان الحكومة الجديدة فيها تجانس ووحدة رؤية ونظرة الى لبنان ووظيفته الاقليمية والدولية؟

ومن منا يصدق ان تلك الحكومة سوف تكون مثال الحلول؟ لا بل نراها قمة التأزم والازمات المقبلة.

فاننا امام حكومة اختصرت في ذاتها مآسي الجمهورية وابرزها التالية:

1- أسقطت النظام البرلماني: فلم يعد في لبنان حاليا نظام برلماني ديمقراطي لان الاكثرية – المفترض ان تحكم – باتت في شراكة مع الاقلية – المفروض ان تعارض لتصحح وتقوم وتعارض سياسات الاكثرية – فتعطل النظام البرلماني للمرة الثانية بعد تعطله في مواجهة الاعتصامات الغوغائية منذ سنتين واكثر. حتى نكاد نقول ان البرلمان اليوم اقفل مجددا ولكن هذه المرة بطريقة افضل، بحيث بقيت ابوابه مفتوحة ولكن افرغ من مضامينه في الداخل.

2- اسقطت الدستور: بحيث بتنا في لبنان لا نعرف اذا ما كان العرف هو اقوى من النص ام النص اقوى من العرف. وكأننا امام ابتكار دستوري جديد لصيغ حكم ونظم سياسية ونظريات لا بل بدع جديدة ستضاف الى ملايين الكتب الدستورية والمؤلفات والمجموعات العلمية وستغير وجه الحقائق الدستورية العلمية. لان في لبنان بات رئيس مجلس الوزراء، وبالاذن من الرئيس سعد الحريري مع محبتنا واحترامنا له، "باش كاتب" عند القوى السياسية (وليس فقط رئيس الجمهورية كما كنا نتخوف بداية )، وفي افضل الاحوال "ساعي بريد" لتعيينات تقوم بها الاحزاب والقوى السياسية وتفرضها عليه للسير فيها.

كذلك سقط الدستور ولا سيما مبدأ التصويت في مجلس الوزراء بالثلثين وفق المادة (65) من الدستور. وانتهت مفاعيل مبدأ الفصل بين السلطات لان السلطتين التنفيذية والتشريعية تشخصنت بمن يمثل القيمين عليها وكتلهم داخل السلطة التنفيذية وداخل البرلمان في آن، بحيث ستصبح قرارات مجلس الوزراء قوانين الدولة وسيقتصر دور البرلمان على التصديق والتوثيق. فكان بنا نتذكر ايام الوصاية السورية وكيفية تحرك الة الحكم، عندما كانت تطبخ الطبخات بالتهديد والوعيد فتأتي على طاولة مجلس الوزراء للتبني وتجول للبرلمان للبصم… هي نفسها المدرسة التوتاليتارية التي عادت من النافذة بعد طردها من الباب وان من خلال احجار لبنانية.

وان ننسى لن ننسى ان ابرز ما اسقطته الحكومة الحالية الفقرة (د) من مقدمة الدستور لانها استبدلتها بمبدأ اخر : فبدل القول بان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، اصبح المبدأ ان السلاح غير الشرعي في الداخل مصدر كل السلطات ومغتصب السيادة وهو يمارسها عبر القوى السياسية المنقلبة على الدستور.

3- اسقطت شروط ومبادئ فكرة الديمقراطية وخيار الشعب: لتكرس قوة الابتزاز لتلك الديمقراطية وتحل مكانها مبدأ الفرض والابتزاز والتهديد المبطن بالسلاح ان سلكت الاكثرية طريق الديمقراطية الشعبية .

وهكذا نجد ان الحكومة الجديدة ولدت على انقاض الجمهورية وعلى انقاض الطائف والدستور والنظام، وكأنه القدر المحتوم على اللبنانيين ان يقبلوا بين الامرين: مر الديمقراطية الدستورية وكلفتها بالدم والحرب الاهلية، ومر سقوط النظام والدستور في سبيل انقاذ البلاد من ذاك الدم وتلك الحرب.

ان قمة ماساة الشعب والبلاد اليوم هي في اننا وصلنا الى حد اننا بتنا نفضل الباطل على الحق، والاستثناء على المبدأ، منعا للاعظم وتفاديا لما لا تحمد عقباه، ان تجرأنا وطالبنا بالديمقراطية وان تجرأنا وطالبنا بحكم الاكثرية وفق الدستور، وان تجرأنا وطالبنا بقيام الدولة القوية القادرة السيدة والحرة والمستقلة، وها هي الحكومة تجسد ازمة نظام لا يريد له ابناؤه الحياة.

وغدا وبعد غد من يمنع ان يستمر الانقلابيون في غيهم ويمضوا في حملات ابتزازهم ومحاصرتهم لرئيس الحكومة وفريق الاكثرية من داخل مجلس الوزراء من خلال التهديد بالانسحاب والمقاطعة او الاعتصام والعصيان واشهار سيف الديمقراطية التوافقية والميثاقية وسواها من سيوف باتت الاقلية تتقن استخدامها وتحقق من خلالها رويدا رويدا القضم الموعود للنظام وللطائف والدستور والاصول والتقاليد الديمقراطية، خاصة واننا الان امام المرحلة الثانية من الازمة المتمثلة باعداد واقرار البيان الوزاري. وحيث فيما بعد سنكون يوميا وعند كل استحقاق امام مرحلة أزمات جديدة، والدولة والبلاد بلا سقف ولا ضوابط.

نتمنى من اعماق قلوبنا ان تكون هواجسنا سرابا وتخوفاتنا خيالا، كما نتمنى ان تقلع هذه الحكومة ولو على علاتها، لتنطلق بعجلة بناء الدولة وتعويض ما فات. ولكن وفي ضوء صرخة الكتائب في موقفها من التشكيلة، والذي نؤيده في المبدأ والمضمون علها تكون صرخة- الصدمة بعد هذا الانحدار المخيف باتجاه الاطاحة بكل الثوابت والمقدسات الدستورية والديمقراطية. وفي ضوء كلام رئيس الحكومة يوم اصدار مراسيم تشكيل الحكومة بان التحدي الاول هو في ان بيرهن الجميع عن التزامهم بلبنان ومشروع الدولة كي تكون فرصة لتجديد الثقة بالمؤسسات او تكون تكرارا لفشل الوفاق، نخشى ممن باع نفسه للخارج وارتهن لارادته ان تكون هذه التجربة ايذانا بالقضاء على الصيغة اللبنانية وبدء عصر جديد من الصراع المفتوح بين خطين متساويين لا يلتقيان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل