مرة ثانية يطلّ الاول من آب بغياب العرض العسكري للجيش اللبناني في عيده مع غياب رئيس الجمهورية رأس الدولة والقائد الاعلى للقوى المسلحة. وإن شكّل غياب هذه المشهدية الوطنية المفعمة بالعنفوان والتي تفتحت عيوننا عليها منذ الطفولة غصّة على دولة أشبه بهيكل عظمي متحلل من المؤسسات والدستور والقوانين التي لا تحترم، إلا أن ما يواسينا كمواطنين هو إصرار الجيش على عدم التوقف عند الشكل والاهتمام بالجوهر. فجعل يومياته عرضاً عسكرياً بالرصاص الحي والبزة المرقطة بالعرق والدماء دفاعاً عن الوطن عبر التصدي للإرهاب الذي يقرع بابنا عند الحدود ولخلاياه في الداخل، أو عبر السهر على فرض الامن بعيداً عن زواريب السياسة.
ومرة جديدة تطلّ علينا طاولة الحوار الوطني في خلوة لثلاثة أيام في الثاني من آب، تلك البدعة لملء الفراغ بالفراغ، بعدما أثبتت عدم جدواها خصوصاً أن أقسى ما حققته صورة جامعة للأضداد والتزامات كلامية ينقضها بعضهم قبل أن يجف الحبر.
فأياً تكن التسمية، “طاولة الحوار الوطني” أو “هيئة الحوار” او “مؤتمر الحوار”، فالحوار مرّ بثلاث مراحل:
المرحلة الاولى، في خضم تداعيات إنسحاب جيش الاسد من لبنان وصعود “ثورة الارز”، حيث أطلق رئيس المجلس النواب نبيه بري مبادرة حوارية في كانون الأول 2005 ثلاثية المحاور: كشف الحقيقة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات الأخرى، البحث بالقرار الدولي 1559 وملحقاته ومنها ترسيم الحدود، والاتفاق على ماهية سلاح “حزب الله” والعلاقة مع سوريا.
وإستضافت ساحة النجمة في 20 آذار 2006 أولى جلسات الحوار التي إمتدت أربعة أشهر، بشّر خلالها أمين عام “حزب الله” بصيف هادئ، فكانت حرب تموز. وفي محاولة لإستيعاب تداعيات هذه الحرب داخلياً، عاود بري الدعوة للحوار في 25 تشرين الأول. وكانت اولى جلساته في 6 تشرين الثاني في ساحة النجمة، وحلّ رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ممثلاً السيد حسن نصرالله. ولكن سرعان ما طار الحوار مع استقالة وزراء “حزب الله” و”حركة امل” بالاضافة الى الوزير يعقوب الصراف من حكومة الرئيس السنيورة بعد تسلمها من الامم المتحدة مسودة انشاء المحكمة الدولية.
المرحلة الثانية أتت بعد اتفاق الدوحة الذي ولد عقب إجتياح “حزب الله” بيروت في 7 أيار 2008 وأنهى مرحلة انسحاب الثنائي “حزب الله” و”أمل” من الحكومة وفرضهم الحصار بـ”الخيم الشائكة” على السراي والذي شلّ العاصمة. فالتأمت هيئة الحوار الوطني بدعوة من الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا في 16 أيلول 2008 .
الهدف الاساس كان البحث في استراتيجية دفاعية عن لبنان. لكن الجميع قدم إقتراحاته إلا “حزب الله”. وتوقف هذا الحوار في 4 تشرين الثاني 2010، حيث لم يحضر الجلسة سوى الرئيس نبيه بري بصفته رئيساً لمجلس النواب. وما اطاح بالحوار كان رفض “حزب الله” اتهام المحكمة الدولية أربعة قادة كبار فيه بتخطيط وتنفيذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفضه تسليمهم.
وكرر سليمان مبادرته الحوارية، فعقدت جلسة في 11 حزيران 2012 في بعبدا .لم تشارك “القوات اللبنانية” فيها بعدما لمست ان جلسات الحوار غير جدية ومجدية، ولم تفض الى التوصل الى إستراتيجية دفاعية، والاقتراحات التي قدمت بهذا الشأن ذهبت في مهب الريح مع رفض “حزب الله” تقديم ورقته والبحث جدياً بالامر. ولكن حين صدر عنها ما عرف بـ”اعلان بعبدا”، سارعت “القوات” الى تأييده. ومن أبرز نقاطه، حياد لبنان عن الصراعات الاقليمية والدولية تطبيقاً لسياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها الحكومة. ومرة جديدة، سارع “حزب الله” الى الاطاحة به وتراجع عن توقيعه حين قرار الذهاب للقتال الى جانب نظام الاسد في سوريا. ورغم ذلك، إستمرت تعبئة الوقت عبر جولات الحوار حتى نهاية عهد سليمان في 25 أيار 2014.
المرحلة الثالثة من الحوار إنطلقت في أيلول 2015 وأتت بدعوة من الرئيس نبيه بري كون الفراغ يتربع على كرسي الرئاسة الاولى في قصر بعبدا على وقع الحراك المداني في خطوة إستيعابية لتنفيس الاحتقان. وها هو بري يدعو الى خلوة حوارية لثلاثة أيام إبتداء من 2 آب 2016.
بناء على ما تقدم، يتأكد أولاً ان طاولة الحوار ليست أكثر من عراضة غير مجدية وطنياً ولا تتعدى كونها وسيلة تخدم حسابات بعضهم على حساب مصلحة الوطن ومفهوم العمل المؤسساتي:
*في العام 2005 طرحت لإستيعاب إندفاعة “ثورة الارز” ومحاولة فرملتها والحد من الخسائر عقب إنسحاب جيش الاسد.
*في العام 2008 طرحت لإستيعاب التداعيات السلبية لغزوة بيروت في 7 أيار.
*في العام 2012 طرحت لإستيعاب إرتدادات المتغييرات السورية على الساحة اللبنانية.
*في العام 2015 طرحت لإستيعاب الحراك المدني وتنفيس ضغطه في الشراع.
وثانياً، ان “حزب الله” هو ضابط الايقاع الحقيقي لطاولة الحوار يتنكّر للوعده التي يقطعها من دون خجل ويطيح بها متى يريد.
فأي جدوى، من “طاولة الحوار” ما دام “حزب الله” مسكوناً بعنجهية السلاح وفائض القوة المتولد عنها وما دامت أجندته غير لبنانية وأولوياته غير وطنية، وما كلام نصرالله في إطلالته الاخيرة التي شن فيها حملة شعواء على السعودية وحضرت فيها الملفات من سوريا الى العراق واليمن وغاب عنها الملف الرئاسي، سوى تأكيد انه غير مستعد لأي حوار. لذا الافضل في إنتظار عودة “الحزب” الى بيئته اللبنانية، رفع بند واحد أوحد هو إنتخاب الرئيس لتحرير الجمهورية المخطوفة.