
كتبت لينا غانم في “المسيرة” – العدد 1570
هي الحكومة الأطول عمراً في تاريخ الحكومات اللبنانية منذ الاستقلال، وزراؤها الأربعة والعشرون يتربعون هانئين في السراي الحكومي الكبير منذ ما يقارب التسعة وعشرين شهراً، علماً بأنها شكلت بعد مخاض عسير استمر لمدة أحد عشر شهراً لتحكم لبضعة أشهر، هي الأطول عمراً والأكثر فساداً بشهادة رئيسها تمام بيك سلام الذي أطلق على حكومته إسم “المصلحة الوطنية”، فإذا بها حكومة “المصالح الوطنية غير المتحدة”. وزراؤها يتناقشون، يتراشقون، يتساجلون، متخذين من وسائل الإعلام على اختلافها ومن وسائل التواصل الاجتماعي منصة لقصف عشوائي يراد منه تحقيق أهداف في المرمى السياسي. فكيف هي العلاقة القائمة بين وسائل الإعلام ووزراء الحكومة السلامية؟ كيف يتصرفون مع مندوبي الإعلام المنتدبين الى السراي؟
في العادة، خلال انعقاد جلسات مجلس الوزراء سواء أكانت عادية أو استثنائية أو متخصصة كما ارتأى أن يسميها رئيسها في ما يختص بالملفات الخاصة مثل الملف المالي أو الأمني أو غيرها، يتجمهر الإعلاميون في الطابق السفلي من السراي حيث يتوافد الوزراء للمشاركة في الجلسات من البوابة الشمالية باستثناء وزير الدفاع سمير مقبل الذي يدخل من البوابة الشرقية وفق البروتوكول الذي ينص على ذلك لأنه يحمل لقب نائب رئيس مجلس الوزراء، وبالتالي فإن وزير الدفاع هو الوحيد الذي لا يقع في “كمين” الإعلاميين الذين يرتفع عددهم خلال الجلسات الاستثنائية.
منذ فترة كان الوزراء يتوجهون من الطابق السفلي الى الطابق الثاني حيث قاعة مجلس الوزراء، مما يعني حكماً لقاءهم بجمهور الإعلام المتحضر لطرح الأسلة والتوضيحات من الوزراء المعنيين، الى حد أن البعض يرافق الوزراء “لاستكمال الحديث” في المصعد بهدف الحصول على جواب يقين أو على “سكوب إعلامي” يتفردون به. هذا التصرف أزعج بعض الوزراء، فما كان من الأمانة العامة للمجلس إلا أن أصدرت أمراً بوضع حدائد وأشرطة مخملية نبيذية اللون لتفصل بين الوزراء والإعلاميين، لكن هذا الإجراء لم يؤدِ الى النتيجة المرجوة على رغم حرص عناصر الحرس الحكومي على الالتزام به. فالعلاقة بين الوزراء والإعلاميين لا تحول دونها حواجز.
أول الواصلين عادة الى جلسة مجلس الوزراء هو وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية نبيل دو فريج الذي يصل قبل الوقت المحدد متأبطاً ملفاته التي يدرسها بإسهاب. وزير الأقليات يقف وسط الإعلاميين ليجيب عن كل الأسئلة بهدوء ودراية. أما آخر الواصلين، في العادة، فهو وزير الصحة وائل أبو فاعور الذي يتأخر دائماً في الحضور (هو أصغر الوزراء سناً من مواليد 1972)، لكنه يحدث زوبعة لدى إجابته عن الأسئلة. فهو يتعمد تمرير الرسائل السياسية أو الحزبية كما تقتضي الحاجة. أبو فاعور يصافح الجميع، يعرفهم بأسمائهم، يمازحهم ويتبادل القبلات معهم على الرغم من أنه كان قد أوعز “بعدم التقبيل إلا في الحالات الضرورية”. صريح ومباشر في إجاباته ولا يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها.

الاشتراكي الثاني في الحكومة وزير الزراعة أكرم شهيب ودود وبشوش، لا يسترسل في الإجابة لكنه لا يتهرب منها، خصوصاً في ملف النفايات الشهير الذي حوّله الى وزير للبيئة بالإكراه.

أكثر الوزراء تماساً مع الإعلام هو وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب الذي تتحول إجاباته الى مداخلات مطولة قبل الجلسة وبعدها، وهو لا يتردد في الإجابة عن كل الأسئلة المطروحة. يقرن حديثه في كثير من الأحيان بالوثائق والخرائط، وهو يبدو مطلعاً على كل الملفات المطروحة في البلد، ومثله كان يفعل وزير الاقتصاد والتجارة آلان حكيم قبل أن يقتصر عليه قرار حزب “الكتائب” بالاستقالة من الحكومة.
حكيم حالياً يقوم فعلياً بتصريف الأعمال وتوقيع البريد والمعاملات التي تتطلب توقيع الوزير، لكن من مكتبه في بنك الاعتماد اللبناني في كورنيش النهر حيث استعاد موقعه كمسؤول التسويق والتطوير في المصرف. إذاً هو يمتنع عن حضور جلسات مجلس الوزراء كما الوزير المستقيل أشرف ريفي الذي يفعل كل شيء ويوقع على كل شيء باستثناء حضوره الجلسات. هو منسجم مع نفسه أكثر من اللزوم وقد قطع طريق وزارة العدل على الوزير بالوكالة أليس شبطيني التي داومت بضعة أيام وشعرت بالثورة في وجهها “أنا لا أريد الدخول في سجالات مع أحد”.
رئيسة محكمة التمييز العسكرية السابقة لطيفة المعشر، أناقتها كلاسيكية وهي تجيب أحياناً عن بعض الأسئلة بابتسامة. إجاباتها تحدث أحياناً ارتدادات مثل اقتراحها نشر قوات دولية على الحدود مع سوريا بعد مجزرة القاع.
الوزير المفصول من حزب “الكتائب” سجعان قزي يبدو أن هذا القرار قد أنقذه مما يجعله اليوم وزيراً أصيلاً غير مستقيل بكامل الصلاحيات الدستورية. وزير العمل يحب الظهور الإعلامي وهو عقد صداقات مع عدد من الإعلاميين ولا يتوانى عن تقديم الشرح المطلوب عند السؤال. عودته الى الوزراء متمرداً على الحزب الذي ينتمي إليه ألهمت الموهبة الشعرية التي يتمتع بها وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس الذي امتدح خطوة العودة شعراً ومنه عرف الصحافيون أن كلمة سجعان تعني الناطق بالسجع ولعله مثنى سجع أي غناء الحمامة أو الناطق بكلام مقفى له فواصل وهي سمة يتمتع بها الوزير المفصول.
درباس لا يفوّت مناسبة داخل الجلسة إلا ويلقي فيها شعراً من عندياته. فهو صاحب ديوان “همزة وصل” ويسعى لأن يكون همزة وصل بين الزملاء. نقيب محامي الشمال السابق دمث الأخلاق يستقبل ويودع شعراً كما حدث عندما تقاعد الأمين العام السابق لمجلس الوزراء سهيل بوجي، فهو قال فيه شعراً يحاكي “البدر في الليلة الظلماء”. بوجي خرج من باب الأمانة العامة لمجلس الوزراء ودخل من “طاقة” المستشار الحاضر دائماً في الجلسات الى جانب الأمين العام الحالي فؤاد فليفل.
وزير “المردة” ريمون عريجي أو روني عريجي كما هو معروف بين المحيطين به هادئ ومؤدب يرد على الأسئلة بتأني المحامي الملتزم بقرارات الجهة السياسية التي يمثلها.
وزير الخارجية جبران باسيل متمرس بعد سلسلة من المناصب الوزارية التي شغلها، يتجنب الرد على الإعلاميين في كثير من الأحيان تاركاً المهمة لزميله في “التيار الوطني الحر” الياس بو صعب.
وزير حركة أمل علي حسن خليل لا يتكلم إلا نادراً، وهو في أغلب الأحيان يتحجج باتصال هاتفي لتفادي أسئلة الصحافيين، وإن رد عن سؤال فبكلمة مختصرة.
وزيرا حزب الله محمد فنيش وحسين الحاج حسن مقلان في الأحاديث الصحافية، وإن كان الحاج حسن أكثر مرونة في التعامل مع الإعلام من زميله الذي لا يدلي بتصريح إلا إذا كان يتعلق بالمقاومة.
وزير الطاقة أرتور نظريان يدخل الى السراي “على السكيت” من دون ضجيج ويتوجه الى المصعد من دون الإجابة عن أي سؤال سواء أكان يتعلق بوزارته أو بأي ملف آخر، فيستعيض الصحافيون بتوجيه السؤال في ملفات الطاقة الى الوزير باسيل.
وزير الشباب والرياضة الضابط المتقاعد عبد المطلب حناوي لا يحدث أيضاً ضجيجاً لدى دخوله أو خروجه. في الأساس لا يوجه إليه الصحافيون الأسئلة إلا إذا كان هناك حدث رياضي أو إشكال رياضي.

وزير البيئة محمد المشنوق من أهل البيت وهو الصديق اللصيق لرئيس الحكومة وهكذا كان قبل استفحال ملف النفايات وتظاهرات الحراك الشعبي، إذ ثمة من يقول إن العلاقة بين الرجلين ساءت بعد هذه الأحداث والكلام قد يكون صحيحاً لأن الوزير المشنوق كان يداوم كل يوم في السراي قبل هذه المرحلة.
وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق حالة خاصة داخل السراي، فالإعلاميون يعرفون مسبقاً بوصوله من حراك عناصر وضباط فصيلة الحرس الحكومي، وهو مزاجي في تعامله مع الصحافيين، إذ قد يجيب عن الأسئلة التي تنهال عليه بإسهاب أحياناً أو أنه يكتفي برد التحية في أحيان أخرى من دون التفات الى أحد.
وزير السياحة ميشال فرعون هادئ في مقاربته للأسئلة. يتعاطى مع كل ملف مفتوح برزانة ولا يتهرب من أي سؤال، كما أنه لا يتوانى عن تمرير الرسائل السياسية عندما تقتضي الحاجة.
أما وزير الإعلام رمزي جريج الذي تسند إليه مهمة تلاوة المقررات الرسمية الصادرة عن الجلسة، فهو هادئ ورزين لكنه يستاء من الصحافيين الذين يتجمهرون حول الوزراء لدى خروجهم من الجلسة على اعتبار أن البيان الرسمي “تحصيل حاصل”، والأفضل معرفة الأجواء المحيطة بالمجلس وكواليسها من الوزراء أنفسهم.
إذا كانت مهمة الصحافيين هي اقتناص الخبر لتمريره عبر وسائل الإعلام، فإن مهمة الوزراء هي اقتناص الفرص لتمرير ما يريدونه عبر منصات إعلامية تشكل في كثير من الأحيان سيفاً ذا حدين. ودامت الأخبار في ديار الوزراء عامرة.
إطار
“تويتر” من دون تفاعل
لا ينشط كل وزراء الحكومة السلامية على “تويتر” بالوتيرة نفسها. فمنهم من أوكل الأمر الى إعلاميين ومنهم من يغرد بنفسه، وهم بذلك يعبّرون عن أنفسهم بشكل مباشر من دون اللجوء الى الصحافيين. التويتر حقق مكسباً أساسياً للسياسيين الذين يعانون من تحكم وسائل الإعلام التقليدية بإطلالاتهم وبإعادة صياغة مواقفهم. لا يتابع كل الوزراء بعضهم بعضاً لا سيما المتساجلين، كما أنهم عندما يتساجلون لا يشير أحدهم الى الآخر بمفتاح، مما يعني أن التويتر ليس مساحة نقاش إضافية في ما بينهم بل ساحة نزاع جديدة ومنصة خاصة يتوجهون من خلالها الى متابعيهم للقول بأنهم يعملون. مهارات الوزراء إذاً تتفاوت في استخدام التويتر لكن يبدو أنهم جميعًا لم يتعلموا بعد الميزة الأساسية لموقع التدوين هذا، أي التفاعل.