تسهيلاً لتشكيل الحكومات وفقاً للنظام الديموقراطي ولأحكام الدستور
سليمان مع فصل النيابة عن الوزارة واعتماد النسبية
استرعى أوساطاً سياسية قول الرئيس سعد الحريري: "ان حكومة الائتلاف الوطني هي استثناء تجيزه الضرورة وليست قاعدة تبني أعرافا دستورية"، وتمنى ان يكون يوماً في صفوف المعارضة يمارس عملها.
هذا الكلام الذي اراد الرئيس الحريري تأكيده بعد تأليف الحكومة ربما يقصد به الرد على من يعتقدون بأنه لن يتم تشكيل اي حكومة مدة مجلس النواب الحالي الا اذا كانت ائتلافية ووفاقية لان تركيبة هذا المجلس المنبثق من انتخابات جرت على اساس قانون الـ60 هي تركيبة مذهبية اكثر منها سياسية ووطنية ويصعب بوجودها تشكيل حكومة من الاكثرية تطبيقا للنظام الديموقراطي على ان تكون الاقلية في مقاعد المعارضة لتحاسب وتسائل الحكومة. وليؤكد ايضا انه لا بد من العودة الى هذا النظام والى احكام الدستور لتشكيل الحكومات على اساسها ليكون تشكيلها هو القاعدة. اما تشكيل الحكومة خلافا لذلك، فهو الشواذ او الاستثناء، ولا يجوز ان يصبح الشواذ قاعدة ولا العرف دستورا.
وهذا الكلام معناه ايضا ان حكومة الرئيس الحريري الوفاقية وحكومات الرئيس السنيورة التي سبقتها كانت على صورتها. انما املت تشكيلها ظروف استثنائية ينبغي ان تكون عابرة لا دائمة، وان يسعى الجميع الى الخروج منها بأسرع وقت ممكن ليعود لبنان الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة وسليمة، مع احترام احكام الدستور في عملية التشكيل بحيث يتولى ذلك الرئيس المكلف بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، لا ان تتولاها، خلافا لاي نص، الاحزاب والكتل النيابية في تسمية الوزراء واختيار الحقائب، لانه اذا كان من حقها ان تطرح اسماء من يمثلها في الحكومة فلرئيس الجمهورية والرئيس المكلف حق القبول بها او رفضها لان من يتحمل مسؤولية تشكيل الحكومة هو الذي يتحمل مسؤولية مواجهة مجلس النواب وطلب ثقته.
وفي المعلومات ان الرئيس ميشال سليمان يضع في اولويات اهتماماته مشروع تعديل قانون الانتخابات النيابية الذي يعتمد النظام النسبي ليقره مجلس الوزراء، ومن ثم يحال على مجلس النواب لمناقشته والمصادقة عليه، خصوصا ان ثمة شبه اجماع على اعتماد هذا النظام، بعدما تبين من تجربة النظام الاكثري في كل الانتخابات انه لا يؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل ولا يراعي تاليا القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين، ويقيم داخل مجلس النواب تكتلات مذهبية، كما هو حاصل حاليا برئاسة زعيم اللائحة الذي جاء بأعضائها نوابا وأمّن الفوز لعدد منهم بقوة شعبيته وليس بقوة شعبية هؤلاء، في حين ان النظام النسبي يعطي لكل مرشح حجمه الطبيعي، ويحرر رأيه من ارادة زعيم اللائحة او رئيس تكتله، سواء كان الدافع لهذا الرأي سياسيا او مذهبيا، ولا تعود التكتلات باعتماد هذا النظام مذهبية الطابع بل سياسية ووطنية كما كانت في الاربعينات والخمسينات بين كتلتين كبيرتين: الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية، ولا يعود في الامكان القول ان من يمثل هذا المذهب لا يمثله تمثيلا صحيحا، بحجة انه فاز باصوات رئيس اللائحة، وهو ما يحول كما في الوضع الراهن دون تشكيل حكومة من الاكثرية اذا لم يكن فيها من يمثل هذا المذهب او ذاك تمثيلا صحيحا، خلافا لما كان عليه الوضع في الماضي، اذ ان التمثيل كان من وزن واحد في الاكثرية وفي الاقلية، بحيث انه وعلى سبيل المثال اذا لم يكن يؤتى بصبري حماده وزيرا كان يؤتى من كتلة اخرى بعادل عسيران او بأحمد الاسعد، واذا لم يؤت بالشيخ بيار الجميل كان يؤتى بكميل شمعون او بريمون اده او بسليمان فرنجيه، واذا لم يؤت بصائب سلام كان يؤتى بعبد الله اليافي وسامي الصلح وعبد الحميد كرامي، وهكذا بالنسبة الى زعماء المذاهب الاخرى او الاحزاب. واذا تشكلت حكومة من وزراء الصف الثاني لتمثيل مذهب في حزب أو كتلة، فان ذلك كان يتم بالاتفاق والتفاهم مع رؤساء الاحزاب والكتل، اما النظام النسبي فلا يفرض ذلك، لان كل نائب يكون قد فاز بقوته الذاتية وليس بأي قوة مستعارة، بحيث يصبح من السهل عند تشكيل الحكومات ان يكون اي نائب ممثلاً لحزبه او مذهبه من دون اعتراض على حجم تمثيله.
اما المشروع الآخر الذي يرى الرئيس سليمان انه يسهّل تشكيل الحكومات فهو مشروع فصل النيابة عن الوزارة فلو ان هذا المشروع كان قانونيا لما كانت عملية التشكيل تفرض حكومة وحدة وطنية او وفاقية حتى بالاكراه، لان اي مذهب يكون له شروطه ومطالبه يستطيع عرقلة ذلك، ولا يعود في الامكان تشكيل حكومة من الاكثرية النيابية لأنها ستشكو من نقص في التمثيل المذهبي وتعتبر غير ميثاقية، في حين انه يمكن تجاوز هذه العقدة باعتماد النظام النسبي، وايضا باعتماد فصل النيابة عن الوزارة، اذ يصبح على كل سياسي ان يختار بين ان يكون نائبا فيترشح للانتخابات او يكون وزيرا فلا يترشح وعندها يصير في امكان الرئيس المكلف تشكيل حكومة بسهولة بعيدا عن المماحكات والتجاذبات السياسية والحزبية، لان كل مذهب هو غني بالطاقات والكفايات وفي شتى الحقول والمهن وها ان بعض الكتل والاحزاب لم تسم نوابا وزراء في الحكومة الحالية بل سمت وزراء من غير النواب يتمتعون بالكفاية والاختصاص والجدارة، وهذا يدل على ان معظم الاكثرية والاقلية مع اقرا رهذا القانون الا اذا كان على ألسنة بعضهم غير ما في قلوبهم…
واعتماد فصل النيابة عن الوزارة عدا انه يسهّل تشكيل الحكومات ويعيد العمل بالنظام الديموقراطي ولا يفرض النظام التوافقي الذي يلغي دور مجلس النواب مع وجود حكومة مصغرة عنه، فانه يعيد لمجلس النواب دوره بحيث يكون فيه موالاة تدافع عن الحكومة ومعارضة تحاسبها وتسائلها، فضلا عن احترام استقلالية السلطتين الاجرائية والاشتراعية وتلافي محاذير تداخلهما وفقدان ميزات الفصل بينهما، فلا يكون الوزير والنائب في موقع واحد عندما يزول دور النائب المراقِب (بكسر القاف) ليندمج بدور الوزير المراقَب (بفتح القاف) الامر الذي يشكل مخالفة لأهم قواعد النظام البرلماني، اي فصل السلطات.