
يقولون إن الجبال لا تلتقي، ولكن اذا كان للبنان رجل بهامة جبال، يمكن للجبال أن تلتقي. هذا ما حصل في آب 2001 عندما توجّه البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في زيارة تاريخية إلى منطقة الجبل، لتوقيتها بعد أكثر من عشر سنوات من توقيع “اتفاق الطائف” الذي جاء بعد حرب أهلية امتدت لخمسة عشر عاماً… وكانت المصالحة.
مصالحة بحجم الوطن طوت صفحة اليمة، أوقفت نزيف التهجير وكرّست العودة، لحظات مصيرية كُتب خلالها التاريخ من جديد، واعطى خلاله البطريريك صفير مجداً من مجد اعطي له.
صعد البطريرك الى الجبل حاملاً معه الهوية اللبنانية، الانتماء للدستور والطائف، رافضاً كل انواع الهيمنة السورية على لبنان، بدوره رئيس اللقاء الديمقراطي افتتح كلمته بضرورة تصحيح العلاقات السورية اللبنانية وتنقيتها من التشنجات والتملّك والوصاية، مطالباً بصيغة تؤكد سيادة لبنان.
في ذلك اليوم من زمن المصالحة، بدأ غبطته بجملة حملت معان كبيرة فقال: “سامح الله من كان السبب”، ولكن دعوات “السماح” لم تصل الى اتباع النظام الأمني السوري، فجاء الرد بعد ايام على المصالحة في 7 آب الشهير، حملة اعتقالات واسعة طالت المطالبين بالحرية وخروج الجيش السوري والتنديد بالنظام الامني.
كان لا بد من المصالحة بعد نداء بكركي الشهير عام 2000، كان لا بد من أن يتناسى معظم ابناء الشوف ما ذاقوه من ويلات وخراب وتهجير، كما قال البطريرك صفير، وبذلك نجحت المصالحة بانضمام جنبلاط ومعه الدروز إلى المطالبة المارونية بخروج القوات السورية من لبنان، والذي تم في النهاية في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقيام انتفاضة ” 14 آذار” 2005.
بعد سنوات طويلة وُضع خلالها الجبل على طريق الجلجلة، اتت المصالحة بمثابة قيامة له، وكان اللقاء بين الدروز والمسيحيين لقاء وحدة وبقاء كما يحب ان يصفه جنبلاط.
صعدت الى الجبل لأعيد اللحمة بين أبناء الوطن الواحد قال صفير، ببساطته المعهودة، وكلماته السلسة أتم المصالحة محطّماً الحواجز الطائفية وجدران الكراهية، اراد ان تكون مصالحة الجبل خطوة في اتجاه تحقيق مصالحة وطنية شاملة تتجاوز الثنائية الدرزية – المسيحية التي اتفق والنائب جنبلاط على انها وان عرفت اياماً مجيدة في الماضي، ولاحقاً اياماً صعبة، فإن لبنان لا يحتمل ثنائيات، بل يفترض وحدة وطنية شاملة.
“الجبل قام… حقًاّ قام” وقامت معه اصوات المعترضين على الوجود السوري من جهة وكذلك المطالبين بتطبيق “الطائف” للوصول الى استقلال فعلي.
شكلت المصالحة اول اشارة كبيرة لانتهاء الحرب الاهلية وارادة اللبنانيين للتلاقي وهذا ما استفز النظام الامني اللبناني السوري كونه يشكل خطراً على ادارته للبنان وبالتالي وجوده فيه كما اوضح جنبلاط، بينما اعتبر البطريرك صفير ان المصالحة أجبرت النظام الأمني المشترك على كشف نفسه لأنها ارعبته، وردّ فعل النظام الأمني اللبناني السوري المشترك بعد زيارة الجبل ما هو إلا استدراك منه لخطورة الموقف إذ ان لقاء قوى لبنانية من هذا المستوى مرفوض من قبله.
وبعد مرور 15 عاماً على مصالحة الجبل، لا بد لنا ان نذكر راعي المصالحة البطريرك صفير الذي عاش على مذبح الوطن حاملاً صلاته، متنقلاً بين افخاخ السياسة، وشاهداً على اكثر الايام تحديا وصعوبة امام الوجود والدور المسيحي في لبنان لنختم بما غرّد به جنبلاط عندما نشر صورة لصفير معلقاً: “ولتكن مصالحة الجبل مدخلاً لمصالحة لبنان، لبنان فوق كل اعتبار”.
