يا من حملتم ريح الشهادة في صدوركم، وغزلتم من العاصفة نشيد البطولة، يا من زرعتم الأمل الأبيض وجعلتمونا نحصد الحرية، كنتم المشعل الذي أضاء ليلنا الأسود والحرف الذي لوّن صفحات حياتنا الرمادية.
هم رائحة الحب وعطر الوفاء. رحلوا كي نبقى ونعيش بكرامة، ووقفوا في وجه من أراد أن يعرّي الوطن من ثياب العز، هم باقة يانعة من الشهداء امتدت جسراً يستند بأركانهم، فعبروا عليه بأقدام ناعمة وارتفعت أياديهم شوقاً ولقاءً لمعانقة رفاقهم في السماء، ولتحط أقدامهم فتطأ بسكون هادئ أرض الكرامة…. شبان بعمر الورود تركوا كلّ مغريات الدنيا، تركوا أحلامهم وطموحاتهم، تركوا مقاعد الدراسة وجامعاتهم وانتهى المشوار بقصة شهادة… وعلى هذه الطريق مشى كميل يوسف رحمة إبن عيناتا الأرز. رحل كما ترحل السنونو عند رحيل خيوط الشمس. هنا لا شيء يشبهك يا فتى … لا ذلك الهدوء النافر في كيمياء وجهك ، لا شيء مثلك حتى ذلك السحر المخمَّر في مرورك الأزلي …. حملت حلمك على غيم الذاكرة الذي ما فتئ يراودك حتى أذنت له بأن يتحقق…

هو كبير إخوته، أربع بنات وثلاثة شبان. كان من التلامذة المتفوقين منذ دخوله المدرسة لحين إنهائه دروسه الثانوية، وقد تخرج بعلامات عالية. العلامات خولته لأن يتقدم الى المدرسة الحربية في الجيش ليكون ضابطاً، وقد كان من بين الفائزين الأوائل. عندما أتت الموافقة، دبّ الذعر في قلب الوالدة وخافت أن يخطف الموت ولدها إن هو التحق بالمدرسة الحربية فأخفت أوراق القبول عنه، ولم تخبره بأنه قد نجح وتم قبوله. عندما علم لاحقاً، غضب قليلاً ولكن سرعان ما تفهم قلق والدته، فقرر بعدها السفر إلى فرنسا ليتخصص في طب الأسنان. بقي هناك سنتين وأيضاً كان من المتفقوين. كان صاحب عزيمة وإصرار وتصميم على العمل والنجاح إلى هذه الدرجة، إن على صعيد مسيرته الدراسية أو في حياته. حتى في صغره يقول شقيقه إنه كان مجتهدا في كافة المجالات من بينها مجال التشريح حيث كان يقوم مع رفاقه بتشريح الحيوانات بداعي الفضول والإستكشاف.
في تموز عام ١٩٧٦ عاد كميل إلى لبنان لزيارة أهله ولم يكن يدرك أن قدره يقوده الى طريق آخر، كأن الساعة الصفر قد أتت حيث تزامنت عودته مع بدء هجوم المسلحين الفلسطينيين وأعوانهم على شكا وجوارها في الشمال. كان كميل يهم بالتوجه إلى بلدته عيناتا لرؤية عائلته، وقبل صعوده جاء أصدقاؤه لرؤيته وليسلموا عليه، فتفاجأ بهم يرتدون بدلاتهم العسكرية. أخبروه أن شكا تتعرض للقصف، جن جنون هذا الشاب اليافع فخلع ثيابه ولبس بزة عسكرية مثلهم وطلب منهم اصطحابه معهم. عبثا حاولوا منعه. طلبوا منه بإلحاح أن يذهب لرؤية عائلته أولاً ولكنه لم يستمع إليهم وجوابه كان: “إنتو مش أحسن مني”.

يوم السبت في ٩ تموز ١٩٧٦ وقبل ذهابهم عرّجوا على مسؤول وحدتهم وحدة “لواء قاديشا” شبل عيسى الخوري الذي كان قد أصيب في المعركة، ألقوا نظرة عليه وغادروا، ولم يعلم كميل إنها المرة الأخيرة التي سيرى فيها شبل، وإنه هو وشبل سيتركان هذه الحياة ويرحلان على عجل شهيدين من أجل لبنان. سلكوا طريق قنات نزولاً إلى أميون. يومها هب الجميع للدفاع عن “شكا” بعدما قُرعت الأجراس في كل القرى وكل إنسان كان قادراً ومدرباً على حمل السلاح لبّى النداء.
وصل هو والشباب إلى بترومين، وكان يومها قائد الجبهة حليم كيروز الذي أعطى تعليماته للشباب حيث بدأوا بصد الهجومات ، وكان هناك شاب يحمل دوشكا فأخذها منه كميل بالقوة وقال لرفيقه إذهب أنت وقم بتغطيتي أنا سأكمل عنك. وبينما كانت المعارك دائرة، دوّى انفجار ضخم عند مدخل بترومين، كان قوياً جدا فقد كان هناك لغم مزروع في الأرض، فانفجر وأصيب به جان الغريشي وتقطعت أصابع رجليه.
.jpg)
صمت رهيب في ظل سكون ضاحك يخترق حدود الواجب…. فقد اخترقت رصاصة رأس ذلك الشاب اليافع الذي كان يصد الهجوم ويدافع عن شكا مع رفاقه بكل عزم وفخر. واستُشهد معه كل من كرم نجيب حبشي ويوسف الضناوي سكر ونايف منصور سكر.
٢۳ عاماً …. لا لم يكن زهر كميل قد تفتح بعد ولم تروِ العائلة عطشها من حبها له، ولم تشبع من حلم يديه لأنه أراد أن تتفتح أزرار زهره في البستان، أراد أن يروي بدمائه عطش أرض العطاء.
كان يفترض بكميل أن يصبح طبيب أسنان يداوي مرضاه في عيادته، ويمارس حياته الإجتماعية والثقافية ولكن رصاصة الموت كانت أسرع إليه.
مشؤوم هو ذلك اليوم في العاشر من تموز ١٩٧٦، لا بل ملعون. فقد كانت الأم تنتظر كبيرها أو طبيب المستقبل لتضمه وتمعن نظرها به. كانت تنتظر أن يطرق على الباب لتفتح له ولكنه أتى مرفوعًا على عرش الشهادة.
من الصعب جداً، لا بل من الفاجعة، أن تودع أم ابنها ذات يوم بنظرة الفرح والفخر بشبابه وهامته ويلوح بفكرها وهي تحلم به عريسا يحمله الأصحاب على أكتافهم يتراقصون به على أنغام الفرح ويزفونه الى شريكة العمر، ثم يرجع اليها جثّة هامدة بنعش أُغلق بابه على آخر لحظات العمر. فما من كلام قد يصف قلب هذه الأم وأي مواساة قد تهدئ روع أب خسر سنده الذي سُرقت منه الحياة ورحل إلى الملكوت السماوي؟
.jpg)
يقول جورج شقيق كميل: “أنا صغير عائلتي لا أذكر أخي كثيراً لكنني أراه في وجوه أصدقائه الذين كانوا معه، أراه في حدقات عيونهم مع دمعة وصورة ضاحكة له، في تنهدات أبي كل ليلة. في دموع أمي التي تتذكره كل مساء، وقد أبقت على خزانته وثيابه وبدلته العسكرية كأنه ما يزال معنا حتى اليوم، فهي كانت ولا تزال ترى أن سمير جعجع يكمل مسيرة إبنها وهي مؤمنة به وبقضيته. ففي عز الوصاية السورية كانت أمي تعلق صورة الحكيم في البيت، ولم يقدر أحد على إقناعها بنزع هذه الصورة لدرجة إنه في أحد الأيام أتت قريبة لها لتطمئن إليها فسألتها: “لماذا تعلقين هذه الصورة؟؟ شو جاييكي منو؟؟” فالتفتت أمي إليها وقالت ببرودة : “هذا هو الذي يكمل مسيرة إبني، أخرجي من منزلي حالاً”.
ويكمل جورج “عندما دق ناقوس الخطر لبى كميل النداء ولم يهتم ونذر روحه في سبيل الدفاع عن هذا الوطن، تاركاً لنا جميعا الفخر والإعتزاز لأنه استشهد في الموقع الذي يجب أن ننطلق منه جميعاً. إخترق حدود الفكر وحدود الكلمة وحدود الوطن، وضع سياجاً من الياسمين لإقامة حدود الواجب والكرامة”.
يا شاباً بعمر الورد حلقت بعيداً بروحك تركت الجسد وروحك ارتقت بنبل الشهادة، روح تأبى النوم الا على خط الحدود تحرس الأمل، رحلت باكرا وقبل أن تلقي تحية الوداع رحلت صامتا. ولكن صمتك يبقى مدويًا في سجل البطولات والأيام.