قبل نحو خمس سنوات، كتب أطفال من درعا على جدران مدرستهم كلمات قدود حلبية، إنما بتصرف. دونوا: “يا مال الشام والله يا مالي.. طال المطال يا حرّة تعالي”.
اعتقل الأطفال، فاندلعت الثورة، والتهبت مجدداً القدود الحلبية في الساحات على وقع البارود والرصاص. في الداخل علا صوت الثوار: “سكابا يا دموع العين سكابا.. على شهداء سوريا وشبابا”. وفي الخارج صدحت الحناجر بالقدود نفسها، في لبنان ودول الجوار وبلاد اللجوء، والكل يتمنى وينتظر ويشتاق ويقاوم بما تيسر من إمكانات وآمال.
ومن القدود الحلبية، إلى حلب الشهباء، ما زالت الثورة تنتج قدودها حياة وحرية وعنفوانا وكسر حصارات. تقاوم الجوع والنزيف المتواصل والاستشهاد تحت ركام المستشفيات والأبنية والمساجد والكنائس. وفي الطرقات حيث الغازات تسرق الهواء والأرواح، لا تنتفي مظاهر الحياة، كأن يسرق الأطفال من لحظات الهدنة غير المؤكدة فسحات لعب.يحوّلون بركة استحدثتها غارة على واحدة من قساطل المياه برغم الشح إلى مسبح مجاني وإن كانت المياه بلون الطين.
ومثل أحوالهم يفعل صبي اختار أن يعاند الدمار من حوله بتصاميم ورقية ابتكرها لمدينته: القلعة، الأحياء، الطرقات، الخانات، المطار والطائرات، الأشجار الخضراء..ولا يفوته أن يضع في الساحة الكبيرة مجسمات لبائع العرقسوس، للثوار الذين سطّروا الأمجاد، ولبرج ساعة باب الفرج حيث بوابة حلب القديمة. الصبي نفسه يجيب لدى السؤال عن الأسباب التي حالت دون مغادرته مدينة محاصرة، بالآتي:»اللي مقدر هون مقدّر بأي مكان. بالبر، بالبحر، أو بآخر الدنيا”.
وكما الصبي في الداخل يقاوم بأوراقه وتصاميمه، أمثاله كثيرون من الذين باتوا في عداد اللاجئين يرسمون على قماش الخيم بيوتهم ومدارسهم وأماكن اللعب. يعاندون حصارها وضيق الاحوال وتقلبات الطقس بابتداعهم حياة مؤقتة تحمل بعض الفرح وتكابر في أحيان وتبقى في انتظار.
وحيث تتلاقى أجراس الكنائس في أحياء حلب بصوت الآذان وعاصفة دوي لبرميل متفجر، وفيما الطفلة تحتمي بربطة خبز حصلت عليها من المعونات القليلة الواصلة إلى الجزء الشمالي من المدينة، يتقدم المسن إلى متجره واثقا بأن كل شيئ سيعود أجمل مما كان. يشير إلى متجره الذي سلم من الدمار: «مع بدايات الثورة تهدّم، وهبطت معه عشرات الأبنية، لكنّ شاحنات مواد البناء كانت في الانتظار على بوابات حلب جاهزة لإعادة الترميم». وبصوت خافت يعقّب: «وحدهم الذين رحلوا.. سنشتاقهم». مسن آخر على الحدود اللبنانية، في إقامته المؤقته، يهندس بشارة من يديه خط سير العودة مخمناً أقرب الطرق الى أرضه، الريف الحلبي. وفي انتظار العودة يعلم حفيده أغنية، يؤديانها معاً: «يا طيرة طيري يا حمامة…”.
وكما في التاريخ الذي يعيد نفسه، يوم أحرقت المدينة ونجا أهاليها الذين احتموا بقلعتها، أهل حلب في معركتهم الأخيرة المتمثلة بكسر الحصار، يعلمون شعوب العالم دروساً في حب الحياة تصدح معها الحناجر لتطرب على مقامات الأصالة ومقامات الحرية والعنفوان.