#adsense

سان بطرسبرغ… قمة المصالح!

حجم الخط

إستعجل رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين طقوس المصافحة وشكليات قمة سان بطرسبرغ، ليدخلا مرحلة مدّ جسور تواصل إنقطع لعام، وأعاده الإعتذار التركي عن إسقاط الطائرة الروسية في 2015 والتعهد الروسي برفع العقوبات الاقتصادية عن أنقرة.

أدرك الرئيسان مصالحهما الملحة. فأردوغان مخذول من الغرب في “إمتحان” محاولة الانقلاب وقبلها في مسألة العضوية الاوروبية والتعاطي مع الازمة السورية. أما بوتين، فيواجه الغرب في عقر داره منذ إستدراج دول أوروبية شرقية الى “الناتو”، وأيضاً منذ خرق الفضاء الروسي عبر أوكرانيا.

عشية القمّة، سرّبت الصحافة التركية “أسرار” المداولات الديبلوماسية التي أفضت إلى المصالحة. في المضمون، رسالة إعتذار خالية من الإعتذار، وهو في صلب المضمون. كان بوتين توّاقاً الى المصالحة تماماً كما أردوغان. هذا ما يفسّر سرعة تحديد موعد القمة إثر دعوة وزير الخارجية الروسي لنظيره التركي إلى منتجع سوتشي وإعلان المصالحة.

عزم الرئيسان على تعزيز روابط الشراكة إنطلاقا من تذليل حدة المواجهة في سوريا. موسكو تتهم أنقرة بدعم “الإرهابيين”، وتحنق أنقرة حيال حجم الدعم الجوي الذي وفرته موسكو لقوات الأسد. لكن مؤشرات القمة تؤكد تراجع منسوب التوتر بما يتيح للخطوط المفتوحة فرصا لموقف مشترك… وربما الى ما يؤشر لرغبة موسكو وأنقرة بتعزيز إقتصاديهما بمقوّمات القوة والمناعة والصمود، ورفع حجمه الى 100 مليار دولار من 35 مليارا قبل أزمة الطائرة.

هذا ما يعزّز الإعتقاد بان القمة السياسية حفلت بمناقشات إقتصادية هي الإساس لبناء مصالحة يريدها أردوغان كما بوتين على خمسة ثابتة لتشكل، سلاحا يمكّنهما من مواجهة المحور الغربي بسلاحه… أي بالمال!

في أول ثمار القمة، بادرت موسكو، ثاني أكبر سوق لقطاع السياحة في تركيا بعد ألمانيا، الى تحرير قيود السياحة التركية. فقد أبدت 15 شركة طيران روسية إستعدادها لإستئناف رحلات “شارتر” إلى تركيا بعد قطيعة استمرت 9 اشهر حرمت إسطنبول من 93% من السياح الروس و3 مليارات دولار من عائداتهم.

ويعتبر الغاز الروسي عاملا حيويا لدعم الإقتصاد التركي. لذا، فان إعلان وزير الطاقة الروسي أن البلدين عازمان على بناء خط “السيل التركي” (تركش ستريم) لسوق الغاز الروسي إلى أوروبا، يعني أن علاقة البلدين لم تعد تحتمل سقطات وزلات بل إستراتيجيات تلتزم بالأجندات. وأيضا، يعني المشروع، رغم إعلان بوتين المهذّب أنه سيستشير الأوروبيين، أن المستهلك الأوروبي سيتسلّم الغاز الروسي عبر تركيا، مستغنيا بذلك عن أوكرانيا العزيزة على قلب واشنطن وعواصم القرار الأوروبية.

لا شك في ان “تركش ستريم” يشكل احد اوجه التعاون التركي-الروسي في مواجهة أوروبا. فروسيا تحضّرت منذ مطلع كانون الاول/ديسمبر 2014 حين ألغت المشروع الذي كان يمرّ من تحت البحر الأسود عبر بلغاريا إلى جمهوريات البلقان والمجر والنمسا وإيطاليا، وتخلت عنه بسبب موقف الإتحاد الأوروبي الذي يعارض ما يعتبره إحتكاراً من شركة الغاز الروسية “غاز بروم”. وعوضا منه، قررت موسكو مدّ أنابيب لنقل الغاز عبر تركيا من خلال “تركش ستريم” ليصل حتى حدود اليونان، وإنشاء مجمع للغاز هناك تمهيدا لتوريده الى جنوبي أوروبا. وفق خطط المشروع، ستضخّ روسيا في الخط 63 مليار متر مكعب سنويًا، منها 47 مليارا ستذهب للسوق الأوروبية، فيما سيخصص 16 مليارا للإستهلاك التركي.

إلى ذلك، يزيل “تركش ستريم” من التداول، الخيار السوري كنقطة تقاطع لغاز الشرق نحو الغرب، بما يبرّئ روسيا نظريا من مصالح لها علاقة بسوق الغاز في أجندتها السورية، وينقذ تركيا من قلق على ملف بهذا الحجم ضمن حساباتها في الصراع السوري. كذلك، يصبّ التقارب الروسي-التركي نحو إسرائيل في ورشة مصالح مشتركة لها علاقة بسوق الغاز.

وتعدّ روسيا ثاني الأسواق لتركيا التي تفوز شركاتها بمناقصات كبيرة بينها مستشفيات وملاعب رياضية وطرق سريعة، إلى المشاركة في التجهيزات الخاصة بالألعاب الأولمبية في سوتشي. وتقدم بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2018 في روسيا فرصة جديدة لشركات البناء التركية.

وليس بعيدا، تحرص تركيا على رفع الحظر الروسي على منتجاتها بعد إنخفاض صادراتها في النصف الاول من السنة بنحو 737 مليون دولار (-60.5% على أساس سنوي). وتعدّ روسيا وجهة تصدير رئيسة لصناعة الغزل والنسيج والفاكهة والخضر التركية. لكن إعادة العلاقات التجارية قد تستغرق عامين وفق وزير الاقتصاد الروسي اليكسي يوليوكاييف.

لا يخطط سلطان تركيا لحلف إستراتيجي مع روسيا. فذلك سابق لأوانه، وقد لا يتحقق. ولم يخطر ببال قيصر روسيا أن تكون تركيا جزءا من أوراسيا الروسية ولا حلقة في سلسلة تحالفاته العتيدة. انه إقتصاد المصالح الذي جمعهما… وربما لا شيء غيره!

المصدر:
Arab Economic News

خبر عاجل