#adsense

بشير وDespina zeilaa و”عيون القوات”

حجم الخط

شبح الموت يسقط أمام هامة الالتزام والخوف يهرول هرباً حين يواجه الايمان، إنها حقيقة تثبتها قصة بترو ذيلا ذاك المهندس القبرصي الذي قدم الى بيروت في العام 1965 بعدما وقّع عقد عمل في صيانة البواخر، وسرعان ما استقدم عائلته. فأبصرت ابنته Despina النور عام 1966. عشقه لهذه الارض دفعه للحصول على الجنسية اللبنانية والتي اثبتت السنوات أنه يستحقها عن جدارة لوفائه لها وتفانيه في سبيلها.

كان لبنان في مهب الخطر في ظل “العنجهية الفلسطينية” وسلاحها الذي يستبيح كرامة الوطن وسيادته وحدوده وعزة جيشه، وكنت الجولات التمهيدية من المواجهات التي أودت الى “إتفاق القاهرة” في العام 1969، الى حرب العام 1973 وصولاً الى الانفجار الكبير في 13 نيسان 1975.

كثر من اللبنانيين هربوا من ساعة المواجهة الى ما وراء البحار وتركوا وطنهم فريسة امام الغزاة، أما بترو فرفض حتى العودة الى أرضه الام قبرص أو إرسال عائلته وحمل السلاح دفاعاً عن ذاك اللبنان الذي سكنه فجعله شعلة عنفوان.

بترو يتوسط المقاتلين في المتراس وهو جالس أرضاً
بترو يتوسط المقاتلين في المتراس وهو جالس أرضاً

 

كان بترو يسكن في المدور، وخلال معركة الكرنتينا التي إمتدت حتى كانون الثاني 1976، كان مسؤولاً عن متراس قرب بيت “الكتائب” في المحلة يقع عند مفرق المجلس الحربي لاحقاً. والى ذاك المتراس كانت تتردد دسبينا ابنت السنوات العشر، فأصبح ملعب طفولتها التي تفتحت على ازيز الرصاص وصوت المدافع وبطولات المقاومين وتضحياتهم. هناك كنت تلهو بتعبئة المماشط بالرصاص لوالدها.

وحين تحررت الكرنتينا، اصبح مركز بترو في المجلس الحربي، فراحت تتردد الى هناك حيث تعرفت للمرة الاولى على الرئيس بشير الجميل – “الباش” كما تسميه بشغف.

“كنت صغيرة وكان يحملني ويخليني نوضر ع برج المر. كان دائم الابتسامة. في بعض الاحيان حين كنت اسير على الاقدام الى المجلس لتفقد ابي ويصادف مروره فكان يترجل من السيارة ويطلعني معو. وفي بعض الاحيان يلبسني عويناتو الشهيرة الـ Ray Ban”، تقول دسبينا ويسرح صوتها في خبايا الذاكرة يتأرجح بين الفرح والحزن. فرح لا يوصف، فحسبها انها عايشت بشير وغنّجها كطفلة وبصمها بطباعه كفتاة، وحزن لا يجف لأن ذاك الحلم لم يدم سوى عشرين يوماً ويوم وصلب في 14 أيلول 1982.

في ايلول 1977، اقسمت دسبينا اليمين في اشبال “الكتائب” وكانت الاصغر في قسم المدور حيث اصطحبها بشير الى هناك، وقال للمسؤول عن الاشبال يومها جوزف قرياقوس: “هيدي الشبل حطها بعيونك”.

“خلال حرب المئة يوم في 1978، كانت قد تأسست فرقة المغاوير وكانت ثكنتها قبالة بيتنا، وكنت اركض مع الشباب اوزع الخبز على الملاجئ تحت القصف”، تعود دسبينا بالذاكرة، وتضيف: “بذكر كيف كانت امي تحضر ما توفر من اكل للمقاتلين وكيف كانت تعمل شاي اذا حدا سخن. كانت تغسل بدلاتهم وترتّيها اذا تخزقت، كانت ام واخت لبعضهم. بتذكر اول عرض عسكري نعمل بالمجلس كان اسمو مبنى وليم حاوي (القائد الشهيد). امي طرزت شعار المغاوير لبدلات الشباب”.

في العام 1979، بدأت دسبينا تخضع لدورات تدريب مع النظاميات برئاسة جوسلين خويري. وبعد معركة توحيد البندقية وتأسيس “القوات اللبنانية” عام 1980، طلب بشير من بترو ان يصطحب إبنته الى ثكنة “سلاح الاشارة”. “يومها لقبني بـ”عيون القوات” وكانت عيوني عسلية ومزيّحة بأخضر”، تقول دسبينا بفخر وإعتزاز.

دسبينا في المتراس مع بشير
دسبينا في المتراس مع بشير

“خدمت في المدور والاسواق التجارية،  كنت ادرس في النهار وبعد الظهر والمساء اذهب الى الخدمة واتردد الى المتاريس. كان والدي مقرباً من بشير، وفي العام 1982 كنت في صف البروفيه وطلب منا تنظيم معرض اشغال يدوية اقيم في دار المعلمين خلف كنيسة “السيدة” في الاشرفية وقد افتتحه بشير، حينها سألني ماذا احب ان اتخصص فقلت له “طب”، فطلب تشكيلي الى ثكنة الاسعاف وكان يرأسها الدكتور بول الجميل. اذكر انني كنت اتدرب في قسم الطوارئ  مع راهبة تدعى الاخت الين واخرج في عداد فرق سيارات الاسعاف. وحين انتهيت من البكلوريا قسم اول انتقلت الى معهد التمريض في الدكوانة”.

ثكنة الإسعاف ودسبينا الثالثة في الصف الأول
ثكنة الإسعاف ودسبينا الثالثة في الصف الأول

“يوم انتخاب البشير كنا بالبدلات العسكرية ومسمرين بوج التلفزيون، وبس ربح الباش طرنا من الفرحة. ونطلقنا بمواكب سيارة بشوارع الاشرفية، رصاص وزلاغيط ودبكة، وصلنا الليل بالنهار، بس يا فرحة عشرين يوم ويوم ما كتملت. غصة هيداك اليوم ما فارقتني حتى هل ثانية، بعدني بتأمل انو ما اغتالوا وانو يكون استشهادو كذبة”، بِلوعة لم تتعب رغم مرور 34 عاماً تقول دسبينا التي اكملت مسيرة النضال في صفوف “القوات اللبنانية”. فاستمرت في جهاز الاسعاف حتى العام 1985 حينها عادت مجدداً الى”سلاح الاشارة” وبقيت حتى تاريخ تسليم “القوات” لسلاحها تخدم في الاسواق. وعند بدء الملاحقات وحل “القوات” في العام 1994، لجأت دسبينا الى قبرص.

“بشير علمني ما خاف، علمني قول يلي لازم ع قطع راسي، علمني كون صادقة ومحبة للبنان من دون حدود، علمني احترم غيري وساعد المحتاج وما اسكت عن الحق، بشير صنع مني بنت قوية بيتعب عمري ع هل ارض وما بيتعب إلتزامي”، بهذه الكلمات تختصر دسبينا بصمات بشير فيها، وتؤكد أنها تزرع روحه في اولادها الاربعة وهم جميعاً “قوات لبنانية” وخلف الحكيم يكملون القضية اليوم.

قصة بترو ودسبينا صفحة في سجل “المقاومة اللبنانية” المشرف، تؤكد أن حلم البشير لم ينته، والمقاوم لا يبخل على القضية حتى بفلذات كبده، ومها جارت الايام سيبقى للقضية رسلها الاوفياء.

دسبينا والرفاق يحتفلون بعودة حليم الشرتوني سالماً من حرب زحلة
دسبينا والرفاق يحتفلون بعودة حليم الشرتوني سالماً من حرب زحلة

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل