#adsense

حزب الله والضاحية الجنوبية: “الخطاب والنتائج” (1/2) عودة للدولة أم عودة إلى الوطن؟

حجم الخط

 حزب الله والضاحية الجنوبية: "الخطاب والنتائج" (1/2) عودة للدولة أم عودة إلى الوطن؟

بصرف النظر عما رافق حملة "النظام من الإيمان" التي أطلقها حزب الله متزامنة مع ـ نسجلها بتحفّظ ـ موافقته على دخول القوى الأمنية إلى الضاحية الجنوبية من تساؤلات، بعد أوضاع ضجّ منها أهل الضاحية أنفسهم، وفلتان لم يعد حزب الله نفسه قادراً على ضبطه، فاكتشف أنه محتاج لمنظومة "الدولة"، فمقاومة ومحاربة العدو شيء و"المجتمعات الإنسانيّة" وضبطها شيء آخر تماماً، وبعيداً عن الآراء "المرحبّة" بالفكرة وانفتاح حزب الله على الدولة، أو عن الآراء التي وجدت في خطوة الحزب إنجازاً كبيراً، أو عن الآراء التي وجدت أن ما فعله الحزب هو حقّ شرعي للدولة لا منحة فيه، ظلّ الحديث عن حملة "النظام من الإيمان" على ضفافها، من دون أن يدخل إلى المضمون الأساسي، إلى الأسباب، فبدأ من النتائج، وهذا بحدّ ذاته انتقاص من قيمة جمعيّة "قيم" التي أنشأها الحزب أولاً، وثانياً هو ابتعاد متعمّد عن مناقشة الأسباب الحقيقية التي أفضت إلى هذه الحاجة ؟ والسؤال المركزي :هل تبني حملة قيم مواطن؟

قد تكون الأسباب التي جعلت حزب الله يحتاج إلى الدولة ومؤسسة قواها الأمنية لضبط الأمور في الضاحية الجنوبية متعددة، وربما على الحزب مناقشتها بشكل جدّي، فطبياً وصف دواء لا يكون كافياً بدون معرفة مكمن الداء وأسبابه ليصبح العلاج شافياً خصوصاً عندما يصبح المرض اجتماعياً.. ومن أبرز هذه الأسباب:

1- لغة "التخاطب":بقدر ما كان استخدام الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله لمصطلحات خاصة في مخاطبة "مجتمع" المقاومة ومناداتهم بصيغ "التفضيل" من مثل:"أشرف وأطهر… الناس"، من دون استخدامة لحرف التواضع في الخطاب "من"، مستفزاً للبنانيين في فترة ما، بقدر ما أصاب هذا الخطاب مجتمع المقاومة وحده بكل أمراض النفس من عُجبٍ وغرور وتكبر، فبات كلّ واحدٍ يحمل شهادة شرف وطهارة خالصة وهذا ما لا يجتمع لإنسان وصفه الله بالضعف عامة، وبخاصة أمام النفس الأمّارة بالسوء، فاكتفى هذا المجتمع الغالب عليه صفة "مجتمع المقاومة" بأخطر داء يصيب فرد فكيف بمجتمع وهو "الإعجاب بالنفس"، وهو أوّل نزاع ابتدأت به البشرية صراعها مع الشيطان الذي قال لربّ العزّة:"أنا خيرٌ منه خلقته من طين وخلقتني من نار"…

2- منطق قوّة السّلاح: من الممكن فهم منطق حزب الله في مناورات الحديث عن سلاحه تحت عنوان ردع العدو الإسرائيلي أو مواجهته على مستوى بنيته العسكرية، ولكن فائض الأسلحة الفرديّة المنتشر بكثافة في الضاحية الجنوبية هل هو لمواجهة العدو؟ والسلاح بحدّ ذاته على هذا النحو الفوضوي في الانتشار العشوائي بين أيدي الناس كافٍ لوحده لجعل الشياطين "تفري فري" في أي مجتمع، فوجوده في متناول اليد واعز شيطانيّ على كلّ مفسدة، ولن يحتاج الحزب إلى أدلة تقنعه بخطورة انتشار السلاح الفردي بين أيدي العامة ـ مع إجماع العلماء على وصف العامّة بـ"العوامّ الغوغاء" – لأكثر من أن نشير إلى حالات إطلاق رصاص الابتهاج في الضاحية مع كل إطلالة لأمينه العام وسقوط ضحايا، حتى بات الرجل يضطر مع كل إطلالة للطلب من جمهور يخاطبه – متجاهلاً أن النسبية تحكم كلّ شيء ـ بـ"أشرف الناس" وبإلحاح ألاّ يُطلقوا النار ولا يلقى كلامه استجابة من هذا الجمهور، حتى اضطر مرة إلى اعتبار رصاص الابتهاج ضدّ الحزب والمقاومة وضدّه هو شخصياً…

3- ازدواجية الرؤية للدولة: نظّر الحزب طويلاً لمفهومه للدولة، حتى أصبحت الدولة اللبنانية بمؤسساتها "محتقرة" في نظر جمهوره، فهي ضعيفة بل مستضعفة، لأن الحزب لا يسلّم سلاحة إلا لدولة قويّة!! وهي دولة "ظالمة" لأن الحزب لا يُسلّم سلاحه إلا إلى دولة عادلة.. وكل هذه المواصفات التي نظّر عبرها الحزب لموضوع سلاحه وهو موضع نزاع سياسي بين اللبنانيين ورؤيتهم للكيفية التي ينبغي أن يكون وجوده عليها، والخطاب الذي زرعه في وعي جمهوره دفعت الضاحية ثمنه من أمنها الاجتماعي، فقادت هذه الأفكار إلى عدم اعتراف هذه الشريحة الاجتماعية بالدولة، هذا عدا عن موروثيْن تقليديين وعادة تحوّلت نظاماً لا عُرفاً، الموروث الأول جاء من الحديث الدائم عن "الحرمان" من دون معالجة حقيقيّة له فتحوّل إلى تجارة سياسية كاسدة، لأنّ الحرمان في لبنان عام ويشمل الشمال والبقاع وجبل لبنان لا الضاحية الجنوبية فقط وهو لا يستثني طائفة، فعكار وقراها ليست أكثر دلالاً من الضاحية بل ربما أكثر حرماناً منها… والموروث الثاني هو مفهوم أنّ "سرقة الدولة مسموحة"، وهذا مفهوم غلب على معظم اللبنانيين خلال الحرب وفوضاها لغياب الدولة، وعندما سنحت فرصة للنظام بأن يفرض نفسه استثنت الضاحية الجنوبية نفسها، أما العادة التي تكرّست نظاماً فهي المواظبة على مخالفة القوانين ثمّ قبض التعويضات عليها وكأن من يبني على أملاك الغير يكافأ عند إخلائه لها بدلاً من أن يُعاقب؟!

4- عزل الضاحية عن الوطن: في مرحلة ما ظنّ حزب الله أنه يعزل الدولة ويمنعها ويكفّ يدها ويقطعها أحياناً عن أي سلطة لها في مربّعه الأمني، وبعد حرب تموز وإصابة هذا المجتمع بـ "انتفاخ الذات وإعجابها بنفسها" تحوّل هذا المنع للدولة إلى حالةً عزلت الضاحية فيها نفسها عن المجتمع الوطني العام، وهذا أخطر ما تعانيه منطقة اجتماعياً، ففي كل دول العالم مربّعات نشأت إمّا بفعل الفقر أو اللون أو الدّين وتحوّلت مع الوقت إلى بؤرٍ للفساد والإرهاب، فحتى في الولايات المتحدة الأميركية ثمة أحياء خطرة على سكانها أنفسهم وفي أوروبا أيضاً أحياء مغلقة ومشبوهة وخارجة على القانون، فأي عزلٍ وانعزال يصيب المنطقة المعزولة لا المناطق المفتوحة للنظام وللشمس والهواء والحياة… وحدها المجتمعات المغلقة تحمل بذور أمراضها المستعصية التي تُفضي بها إلى تدمير نفسها، فيما يسلم الآخرون الذين يعيشون في مجتمع منفتح غير منعزل..

امتناع الضاحية الجنوبية على النظام والقانون أفضت إلى عزلها لنفسها، وهذا أمر ضد طبيعة المجتمعات الإنسانية بل ضدّ الطبيعة نفسها، وأبسط الأمثلة في ذلك هو جريان الأنهر، فالنهر ينبع من مكان ويجري في أمكنة ويصب في أخرى وتتفرع عنه جداول وبحيرات وهذا ما يتيح له القدرة على الجريان وتطهير نفسه بنفسه، ركود مياه النهر وعدم جريانها يحوّله إلى مستنقع آسن…

لا يستطيع حزب الله أن ينوب عن الدولة في موضوع ضبط الأمن في الضاحية لأنه سيخسر جمهوره المقاوم على جبهة العدو لا اعتبار لها داخل منزله، ولا يستطيع قمع المخالفات بمنطق المقاومة بل بمنطق الدولة، لذا اضطر محتاجاً إلى استدعاء الدولة للقيام بدورها الطبيعي، وقرر هو أن يقوم بدوره من ضمن منظوره ورؤيته الخاصة لمجتمعه، فأسس جمعيّة "قيم"، الفكرة بحد ذاتها حاجة للمجتمع اللبناني كلّه، فهو يشكو من تردّي وتراجع وانحسار في قيمه الاجتماعية واستشراء المفاسد فيه ولا تكلّ الألسن أو تملّ الحديث عن الانحلال الأخلاقي الذي بلغه هذا المجتمع ومقدار تراجع القيم الأخلاقية والإنسانية فيه، نريد لجمعية "قيم" أن تكون عابرة للطوائف فيتشارك الجميع التجربة كل في محيطه، لأن المجتمعات منظومة أخلاقيّة…

ثمة سؤال الذي يطرح نفسه حول تجربة جمعيّة "قيم" وحملة "النظام من الإيمان": هل التوعية الأخلاقية الدينية تصنع مواطناً صالحاً، أم أن المواطنيّة هي انتماء حقيقي لوطن ودولة يعترف بهما المواطن سواء كان من أبناء الضاحية الجنوبية أم من أبناء كلّ المناطق؟ وهل تكفي عودة الدولة بأجهزتها الأمنية إلى الضاحية الجنوبية أم أنّ المطلوب هو عودة الضاحية الجنوبية إلى الوطن؟ وهل مسؤولية الدولة اللبنانية تجاه الضاحية هي فقط ضبط الأمن أم من حق هذه المنطقة على الدولة أن تخصّها بمشروع إنمائي متكامل يُعيدها إلى حضن لبنان؟

المصدر:
الشرق

خبر عاجل