الحقيقة المرّة
الحكومة أصبحت حقيقة، موجودة بلحمها ودمها وخليطها العجيب الغريب، واللبنانيون تنفسوا الصعداء بعد انحباس انفاس وخوف من أن تتحول أزمة تشكيل الحكومة إلى أزمة نظام مفتوحة على كل الاحتمالات في ظل الاصطفاف القائم والانقسام العامودي بين مكونات المجتمع اللبناني، وفي ظل غياب أي رؤيا مشتركة بين <المتحاربين> على الساحة الداخلية.
لكنهم (اللبنانيين) ما زالوا غير مطمئنين إلى مسار هذه الحكومة في ظل تركيبتها غير المتجانسة ولا المنسجمة بوصفها تضم عناصر من أطراف متباعدين في الرؤية والموقف من أمور كثيرة، تبدأ بالأساسيات الوطنية ولا تنتهي بالرؤية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية إذا صح التعبير.
فالانتخابات النيابية الأخيرة، خيضت كما هو معروف على أساس مشروعين مختلفين لا يلتقيان، مشروع الدولة، ومشروع اللادولة، وكل فريق حشد كل قواه لربح هذه المعركة ليتسنى له تنفيذ مشروعه وفق التصور الذي وضعه له عندما نشبت الأزمة الداخلية قبل خمس سنوات تقريباً وانقسم اللبنانيون إلى قسمين لا يربط بينهما أي رابط بما في ذلك رابط الانتماء الذي بات لكل فريق نظرة ومفهوم مختلفين تماماً عن الفريق الآخر.
وإذا نظر المواطن إلى هذا الذي عاشه في السابق وخلال وبعد الانتخابات النيابية وفي معركة تأليف هذه الحكومة التي دامت قرابة خمسة أشهر تتجاذبها عناوين مختلفة، وطروحات متباينة، وشروط متقابلة وشدّ حبال تجاوز في مدلولاته حدود لعبة التأليف التقليدية في دولة تعددية إلى حدود التناقض بين المفاهيم الوطنية ومفاهيم الدولة، يتوجس اللبنانيون مخاوف كثيرة من أن يتحوّل مجلس الوزراء بعد أيام أو شهور قليلة من نيل الحكومة الثقة، بفعل التناقض الموجود داخلها إلى متاريس للمواجهة والمناكفة والمشاكسة، فتتحول الحكومة كلها إلى جيفة لا حياة فيها ولا قدرة لها على القيام بأي عمل مفيد، ويذهب البيان الوزاري <غير الإنشائي> كما يقولون إلى غياهب النسيان، وتعود الأزمة النائمة ويعود معها الاصطفاف المذهبي والطائفي والعقائدي إلى مسيرته السابقة التي عطلت البلد والمؤسسات قرابة الخمس سنوات، وكاد ان يخسر لبنان كل مقومات البقاء والصمود في وجه التحديات الداخلية والإقليمية المعقدة.
الشعب يعرف أن هذه الحكومة جاءت نتاج مساومات داخلية واقليمية، ولم تأت نتيجة قناعة وطنية، وبالتالي فإن بقاءها رهن المستجدات المرتقبة في المنطقة ورهن صمود الإرادة الداخلية، إذا كانت موجودة فعلاً في تلك التحديات.