(1).jpg)
سقطت هدنة حلب. وسقطت معها امكانية العودة الى طاولة المفاوضات. تصاعدت وتيرة المعارك العسكرية بشكل غير مسبوق. وتصاعدت معها لغة التخاطب الدبلوماسي. تراشق الاتهامات بين القوى الكبرى لا يؤشّر إلى قرب الاتفاق على هدنة ثانية في “الشهباء” الجريحة. والتصعيد في مجلس الامن الدولي يدلّ على ان المدينة التاريخية ستكون سبباً في أزمة عالمية مستقبلية. ما يطرح السؤال، لماذا تشكّل حلب اليوم كل هذه الازمة بين اطراف الصراع المتناحرة في الازمة السورية المستمرة منذ ما يقارب الست سنوات؟ مدن كثيرة سقطت. أخرى قصفت ودمّرت. وفي العديد منها طُوّق المقاتلون والمدنيون، وجوّعوا، وعُطّشوا… ومن ثم هجّروا. لم تقم الدنيا ولم تقعد كما يحدث اليوم. لماذا؟ ما يطرح السؤال على الاهمية الجيوسياسية للمدينة التي يمكن ان نختصرها بالأهمية الجغرافية والاقتصادية والتاريخية.
جغرافيا، حلب هي ثاني كبرى المدن السورية بعد العاصمة دمشق من حيث المساحة والحجم الديموغرافي. وهي تقع بالقرب من الحدود التركية التي تشكّل المعبر الاساسي لوصول الدعم العسكري للعديد من فصائل المعارضة المعتدلة منها والاسلامية. وفيها تمرّ الطريق الدولية التي تصل سوريا بتركيا (في غازي عنتاب).
اقتصادياً، حتى عشية اندلاع الأحداث في سوريا كانت حلب مركزاً صناعياً وتجارياً مهماً في سوريا. فبعد فترة تهميش خلال عهود الأسد الأب دامت اكثر من عقدين، بسبب احتضانها معارضة الاخوان المسلمين المسلّحة ضد النظام (بين عامي 1977 و1981)، استعادت حلب دورها الاقتصادي على عهد الأسد الابن. مدينة “الشيخ نجّار” الصناعية كانت الأكثر نشاطاً ونجاحاً بين المدن الصناعية الاربع التي شيّدها بشار الأسد. فاستقرّ فيها اكثر من 900 مصنع. لعبت دوراً كبيراً في تطوير التبادل التجاري بين سوريا وتركيا منذ سياسة الانفتاح الجديدة بين البلدين حتى بداية الأزمة. وهذا الدور الاقتصادي تاريخي في حلب. تحت حكم السلطنة العثمانية كانت ولايتها اقوى وأهم من ولاية دمشق ليست فقط بسبب قربها من “الباب العالي” إنما بسبب الدور التجاري الذي كانت تلعبه. وهو دور تاريخي بحكم موقعها على خط التجاري العالمي القديم بين الشرق والغرب.
تاريخياً، تحتضن حلب آثارًا لحضارات سكنت المدينة منذ آلاف السنين. وكان يكفي زائرها قبل الحرب المدمّرة ان يرى كنائسها ومساجدها التي تدلّ على هندسات عمرانية متنوّعة، وقلعتها التاريخية، وأسواقها القديمة وخاناتها التجارية… ليطّلع على تاريخ المدينة العريق. اليوم، معظم هذه الآثار دُمّر ببراميل النظام السوري المتفجّرة وقنابل الطيران الروسي الارتجاجية. ولكن الرمزية التاريخية للمدينة التي تحرّك الشعور العالمي لا تزال حاضرة. وقد عبّر عنه سفير فرنسا لدى الامم المتحدة فرانسوا ديلاتر بقوله: “…ان تلك المدينة الرمزية (حلب) التي يعود تاريخها إلى أكثر من ألفية، ملتقى الحضارات القديمة، وموقع التراث العالمي، تشهد نوعا من حصار العصور الوسطى…”
هذا في أهمية حلب قبل الحرب المستعرة في سوريا. فماذا عن أهميتها السياسية والعسكرية اليوم بالنسبة لأطراف الصراع كافة؟
بالنسبة للنظام وحلفائه الإيرانيين و”حزب الله” وروسيا، إن استمرار انقسام المدينة الى شطرين يعني استمرار حرب الاستنزاف لهم التي يمكن ان تربحها المعارضة على المدى البعيد. والسبب ان حلب تقع على مسافة بعيدة مئات الكيلومترات عن مركز تلك القوى السياسي والعسكري المتمثّل في العاصمة دمشق. وطريق الامداد لقواتها المتمركزة اليوم في جنوب – غرب المدينة محفوفة بالمخاطر ومعرّضة للقطع من قبل فصائل المعارضة التي لها جيوب كثيرة في ريفي حمص وحماه. في المقابل تقع حلب بالقرب من الحدود التركية التي يمر عبرها الدعم العسكري واللوجستي والبشري لفصائل المعارضة على اختلافها. وهذا ما كان يحدث قبل قطع طريق الكاستيلو الذي يصل الشطر الشرقي – الشمالي للمدينة بمحافظة ادلب ومنها الى اقليم حاطي (الاسنكدرون) التركي.
(2).jpg)
في حال تبدّل ميزان القوى العسكري والسياسي يمكن لحلب ان تكون المركز السياسي والعسكري للمنطقة التي تسيطر عليها المعارضة. وفي حال اعتماد التقسيم او الفدرالية المذهبية في سوريا من الطبيعي أن تكون حلب مركز “دولة” سنّية قويّة. وفي هذه الحال ستشكّل خطراً على “دولة” الساحل العلوية ومنافساً قوياً للعاصمة دمشق. خاصة وأن تركيا ستدعمها لتقف بوجه تمدّد الـ “كيان” الكردي التي اصبح شبه واقع ويسعى الأكراد الى وصله بمنطقة عفرين الواقعة شمال – غرب محافظة حلب. لذلك تسعى موسكو لاخضاعها بهدف الامساك كلياً بورقة “سوريا المفيدة” (هذا احد اهدافها من التدخّل العسكري المباشر في سوريا).
أما بالنسبة للمعارضة السورية، فمعركة حلب اليوم هي قولاً وفعلاً معركة مصيرية. خسارتها تعني خروجها من الجغرافيا المهمّة في سوريا. ومعروف ان الذي يخرج من الجغرافيا يخرج من الصراع. أما إدلب، المحافظة المتبقية تحت سيطرة المعارضة، لا يمكن لها ان تكون مركزاً لها لعدّة اسباب جيوسياسية لا مجال لتفصيلها في هذا المقال. لذلك لا خيار امام المعارضة السورية المسلّحة منها والسياسية سوى الصمود. وقد عبّر عن هذا الموقف موفق نيربية، نائب رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في مؤتمره الصحفي الاخير في اسطنبول. فقال بأنهم “غير معنيين بالعملية السياسية” كونها لم تعد ذات معنى في ظل “وحشية النظام” وقصف الطيران الروسي وعجز المجتمع الدولي. هذا الوضع يدل على ان الصمود مسألة في غاية الصعوبة ومكلفة جداً بشرياً ومادياً. فالمواجهة ليست في وجه ما تبقى من جيش النظام السوري وسرايا الحرس الثوري الإيراني وفصائل “حزب الله” اللبناني، إنما في وجه الترسانة العسكرية الروسية. وتحديداً سلاحها الجوي المتطوّر الذي يستعمل أسلحة محرّمة دولياً مثل القنابل الارتجاجية المدمّرة. وهناك احتمال كبير ان تكون تقارير وسائل الاعلام صحيحة اذ ان كل الجيوش، بخاصة تلك المصنّعة للأسلحة، تنتظر فرصة خوض حرب لتعمد الى تجربة اسلحتها الجديدة. وها هي الفرصة سانحة في سوريا، وتحديداً في حلب.
هل هذا يعني ان سقوط حلب أصبح وشيكاً؟ وهل ان التهويل باجتياح المدينة سيتمّ قريباً؟ وفي حال استحالته، هل ستنجح استراتيجية النظام وحلفائه في تطويق المدينة وتجويع سكانها وترحيلهم فيما بعد كما حدث في حمص والزبداني… ومؤخراً في داريا؟ بالطبع كلا. هذا ما يدلّ اليه موقف المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا الذين لجأوا الى مجلس الأمن الدولي لردع موسكو عن الاستمرار في عملياتها العسكرية. ربما لن ينجحوا بسبب الفيتو الروسي. ولكن الحملة الدبلوماسية والاعلامية ستجبر فلاديمير بوتين الى تخفيف حدّة العمليات العسكرية عن مناطق المعارضة في المدينة.
يبقى الأهم موقف تركيا الذي يبدو متردداً في اتخاذ موقف مباشر من معركة حلب ولكنه معني بها بشكل مباشر. التردّد ناجم عن إعادة التموضع السياسي الذي قام به رجب طيب أردوغان بعد التصالح مع موسكو وازمته السياسية مع الولايات المتحدة الأميركية على خلفية رفض هذه الاخيرة تسليم فتح الله غولن. ولكن أنقرة لا يمكنها ان تسمح بسقوط حلب بأيدي النظام والإيرانيين. ولا يمكنها ان تخسر المعارضة السياسية والعسكرية التي دعمتها منذ بدء الأزمة السورية. فمصداقيتها على المحك في العالم العربي الذي تطمح لأن تكون لاعباً أساسياً فيه، وفي العالم الاسلامي – السنّي الذي تطمح الى قيادته في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية الاسلامي.
حرب حلب طويلة. المعارك في بداياتها، والمفاجآت ايضاً.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]