
ما كانت المواسم يوماً همًّاً. لطالما كانت خيراً كل الخير، وكانت شغفاً بالجنى وفرحاً بغلال وفيرة. لكن الزمن المنقلِب في كل شيء يبدو أنه لم يوفر حتى ذلك الباقي من بعض خيرٍ وبعض فرح. فصارت المواسم همًّا ومعاناة وشكوى، وها هم المزارعون يطلقون الصرخة تلو الصرخة ويستغيثون. مع هذا الواقع القاسي، ثمة من لم يترك للتفاحة إلا طعم الخطيئة الأصلية وكأن زارعيها هم الخطأة فاستحقوا الإدانة بتركهم لمصيرهم المشؤوم، يزرعون الأرض تعباً ولا يقطفون في المواسم إلا الكساد. مزارعو التفاح “المدانون” هؤلاء، رفعوا الصوت أخيرا إلى أعلى، وما يزالون يرفعونه بحثاً عمن يشعر بمعاناتهم ويتلمس مأساتهم، فعساهم يجدون.
في إطار تحركات مزارعي التفاح المزدادة توسّعا تأمينا لتصريف موسم هذا العام المهدد بالكساد، وبعد تحركات مزارعي بشري ومنطقتها بحثا عن حل للأزمة الماثلة، واعتصام مزارعي التفاح في الباروك، أقفل مزارعو التفاح من جرود جبيل والبترون الطريق الدولية في جبيل بالإتجاهين صباح الإثنين الماضي علّ من ينتبه إلى معاناتهم ويعمل على مساعدتهم، ربما ليس لإنقاذ الموسم الحالي فقط، بل لإنقاذ هذه الزراعة برمّتها والقطاع الذي يرفد آلاف العائلات اللبنانية بكرامة العيش والبقاء في جبالنا التي ما اعتادت الشموخ من غير تلك الجباه العالية.
تحرك جبيل أوصل صرخة أخرى إلى آذان المسؤولين الذين، وإن كانت الإمكانيات الكبيرة غير متاحة والحلول السهلة غير متوافرة، إلا أن هناك العديد من المخارج التي يُلح الوضع باعتمادها حلّا لأزمة قطاع وتخفيفا من معانات شريحة كبيرة من اللبنانيين.
.jpg)
من القاعات إلى الطرقات
قبل تحرك مزارعي جرود البترون وجبيل، كان عُقد لقاء في قاعة بلدية بشري، خصص لعرض معاناة مزارعي التفاح في البلدة جراء عدم وجود أسواق لتصريف إنتاج هذا العام، حضره عضو كتلة “القوات اللبنانية” النائب إيلي كيروز، ونائب رئيس اتحاد بلديات القضاء رئيس بلدية بشري فريدي كيروز ورؤساء بلديات المنطقة ومخاتيرها، ومنسق “القوات” في القضاء النقيب جوزيف إسحق ومنسقو جبة بشري وفاعليات ومزارعون.
رئيس بلدية بشري فريدي كيروز أطلق الصرخة والوجع، “الذي إسمه التفاحة”، وقال إن هذا “الوجع يطال أهلنا في قضاء بشري ولم نجد له علاجا، وجع أصبح مزمنا وكل سنة نصرخ ولا مجيب. لأن لا يوجد أحد في هذه الدولة يريد أن يسمع. نعلم جيداً أن حزب “القوات اللبنانية” برئيسه ونوابه فعلوا المسحتيل وحاولوا ويحاولون وسيستمرون بالمحاولة ليجدوا حلا لتصريف التفاح، نجحوا مرات، ومرات كثيرة لم يجبهم أحد”.
وأضاف: “لدينا هذا الموسم حوالى مليون و200 ألف صندوق تفاح، وحتى هذه اللحظة لم يأت تاجر والذين نراهم هم مجموعة إستغلاليين يظنون أنفسهم تجارا ولكنهم يتجارون بلقمة الفقير ومرضه وعلمه. الحكومة غائبة عن السمع، منهمكة بالسمسرات والصفقات وتوزيع المغانم، وفي الأخير يقولون هذه الحكومة يجب أن تبقى وإلا ينهار البلد. البلد منهار أساسا ولا من يسأل”.
واقترح رئيس بلدية بشري حلا لهذه المعاناة من خلال العمل على النقاط التالية:
- – وقف إستيراد التفاح الأجنبي، ومنع إدخاله إلى لبنان من طريق التهريب وغيره، وفرض غرامات على المحال التي تبيع تفاحا أجنبيا. (وقد اتخذ وزير الزراعة أكرم شهيب قرارا الاثنين الماضي يقضي بإخضاع استيراد التفاح وأصناف أخرى الى الإجازة المسبقة).
- – الطلب من وزارتي الدفاع والداخلية شراء قسم من هذا التفاح للجيش اللبناني والقوى الأمنية.
- – الطلب إلى المطاعم والفنادق في كل لبنان أن يكون طبق الفواكه الأساسي لديها هو التفاح، أقله في هذه الفترة من السنة.
- – الرقابة على تجار التفاح وعدم السماح لهم بشراء صناديق التفاح بأسعار زهيدة، أي أقل من الكلفة. بحيث يحدد مجلس الوزراء السعر الأدنى للصندوقة الواحدة ومعاقبة المخالفين.
- – تأمين الضمان الصحي لجميع مزارعي التفاح وعائلاتهم وخصوصا الذين ليس لديهم مدخول ثان.
- – دفع تكاليف الأسمدة والأدوية التي تكبدها المزارع خلال هذا الموسم.
- – إعطاء حوافز وتسهيلات لإقامة مصانع لتصنيع منتوجات من التفاح، وإعفاؤها من جميع أنواع الضرائب.
- – وضع خطة طويلة الأمد بخصوص كيفية تصريف الإنتاج وليس تكرار القصة ذاتها في كل موسم.
- – إقامة حملات توعية في المدارس والجامعات عن المفعول الغذائي للتفاحة وذلك لزيادة الإستهلاك.
غياب الحوافز وضيق المنافذ
معاناة زراعة التفاح التي لم تتولّد هذا العام، طرقت أبواب المسؤولين في مواسم سابقة وكان هناك اقتراح للمزارعين للمساعدة على عملية التصريف، بأن يكون التفاح المصدّر مطابقا للمواصفات التي تطلبها الأسواق المستهدفة. وبناء عليه كان اقتراح بتنويع وتأصيل النصوب. وتمسكا بهذه الزراعة عمد المزارعون إلى تبديل الأنواع المستثمرة في بساتينهم بأنواع أخرى. وهذا كانت له تكلفة كبيرة عليهم، ليجدوا أنفسهم بعد سنوات في مأزق أكبر من السابق بحيث زادت التكاليف ولم يتأمن التصريف.
صحيح أن عوامل عديدة خارجة عن إرادة المزارعين والحكومة تضافرت لشد الخناق على هذه الزراعة، كما غيرها من القطاعات، ومنها إغلاق المعابر البرية التي لطالما مثلت السبيل الأفضل لانسياب المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية نحو الأسواق الإستهلاكية في المحيط العربي. لكن عوامل ضاغطة أخرى ظهرت هذا العام مما زاد الوضع سوءا، ومما يفرض المزيد من الجهد من المسؤولين لإيجاد حل سريع للأزمة قبل أن يضطر المزارعون وحماية لإنتاجهم الى أن يخزّنوه في البرادات ما يزيد من التكاليف والأعباء. والجدير بالذكر أن سعر الصندوق لهذا الموسم وصل إلى 5 آلاف ليرة علماً أن سعره في العام المنصرم بلغ ما بين 15 و20 ألف ليرة، وأن كلفة إنتاج الصندوق تصل إلى 8 آلاف ليرة في البستان وإلى 12 ألف ليرة في حال اضطر المزارع إلى تبريده.
وتبدأ الأزمة من خلال عدم تصريف التفاح بعد تصدير الدول الكبرى منتوجاتها الزراعية الى شمال افريقيا وبينها مصر وغيرها، إضافة الى عدم قيام الدولة اللبنانية بدعم صندوق التفاح بأي مبلغ. وقد اقترح العديد من المزارعين أن يتم شراء التفاح من قبل الدول المانحة وتقديمه للنازحين، أو أن يشتريه الجيش. ولكن لا جواب أو حتى اقتراحات أخرى حتى الآن لحل الأزمة.
وثمّة من اقترح حلّا يقوم على تصنيع التفاح في مناطق زراعته وإنتاجه، وتحويله إلى مربى أو عصير أو خل، متمثلين بجودة وصيت النبيذ اللبناني الذي تستهلك صناعته كل إنتاج الكروم لا بل إن مساحات إضافية تزرع بالكرمة سنويا لتلبية طلب الصناعة. ويلفت أصحاب هذا الإقتراح إلى أهمية أن التصنيع يستهلك كل إنتاج التفاح من المزارعين وليس فقط ما يتمتع منه بمواصفات معينة، فيما يُهمل الباقي. كما تم اقتراح استحداث تعاونيات لمزارعي التفاح حيث لا يوجد مثل هذه التعاونيات نظرا لأهميتها في مساعدة المزارع سواء في تطوير الإنتاج أو تأمين التصريف بعيدا من استغلال التجار.
العين بصيرة و اليد قصيرة
صرخة المزارعين حملها إلى رئيس الحكومة تمام سلام أكثر من مسؤول ومرجع في مقدمهم الدكتور سمير جعجع الذي وضع هذه المسألة على رأس سلم اهتماماته. وفي السياق، استمع الرئيس سلام في السراي إلى لجنة متابعة تمثل مزارعي التفاح في مختلف الأراضي اللبنانية ناقشت معه سبل إنقاذ هذا القطاع وهواجس المزارعين الملحّة التي لا بد من معالجتها سريعاً، والتي تنقسم، بحسب المراجعين، إلى قسمين: الأول له علاقة بحلول على المدى الطويل. والثاني كيفية دعم زراعة التفاح ودور الدولة في مساعدة هذا القطاع. كما طالبوا بالتنسيق بين الهيئة العليا للاغاثة ووزارة الزارعة ومؤسسة “إيدال” ولجنة من ممثلي مزارعي ومنتجي التفاح في لبنان، لتأليف هيئة تجتمع بشكل دوري لمتابعة هذه المشكلة.
النائب إيلي كيروز الذي يتابع هذه المسألة من قرب، أكد بداية “إهتمام رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع ومتابعته الموضوع”، معتبرا أن “زراعة التفاح تشكل المصدر الرئيسي لتأمين حاجات الأهالي”. وقال بعد مراجعة الرئيس سلام وتسليمه كتابا بهذا الشأن: “أردنا من هذا اللقاء تسليط الضوء على معاناة مزارعي التفاح في بشري ومنطقتها كما في كل المناطق اللبنانية، نظرا للصعوبات التي يواجهونها في تصريف إنتاجهم. فزراعة التفاح تشكل في منطقتنا المصدر الرئيسي للعيش ولتأمين حاجات الأهالي”. وشدد على أن مواسم التفاح هي التي تبقي الناس في هذه الجبال القاسية وتؤمن لهم مستلزمات الصمود وتحول دون الهجرة واليأس من الأوضاع العامة في البلاد”.
وأضاف: “أؤكد على أقصى الإهتمام الذي نوليه كحزب ونواب وإتحاد بلديات وبلدية بهذه المسألة. لقد بادرنا منذ أشهر، وخصوصا رئيس الحزب، إلى القيام بكل الإتصالات اللازمة، داخليا وخارجيا، في محاولة لإنقاذ أحد أبرز القطاعات الإنتاجية اللبنانية. والأهالي على أبواب فصل الشتاء والمدارس والجامعات، ومواسمهم تنتظر تأمين أسواق خارجية للتصدير إتقاء لكارثة إجتماعية وإقتصادية”.
وأوضح النائب كيروز لـ”المسيرة”، “أنه أضيفت إلى أزمة السنتين الماضيتين أزمة تصريف الإنتاج لهذه السنة، وأنه مع تسجيل ارتفاع كلفة الإنتاج إلى حوالى 8 آلاف ليرة لبنانية للصندوق (20 كلغ) تلحق أضرار كبيرة بصغار المزارعين وهم الأغلبية. وشدد على مسألتين أساسيتين كان أثارهما سواء في لقائه مع الرئيس سلام أو خلال حراكه الموازي الهادف إلى حل هذه المسألة، وهما: إيجاد أسواق تصريف في أسرع ما يمكن. وإذا لم يتأمن ذلك، المبادرة إلى دعم موسم التفاح لهذه السنة بمبلغ 5 دولارات أميركية لكل صندوق، ليستطيع أهلنا البقاء في أرضهم ومنعا لموجات جديدة من النزوح”. وشدد على أهميّة هذا الإقتراح، وخصوصا أن الحكومة اللبنانية سبق لها أن دعمت العديد من القطاعات في ظروف مختلفة، فلا بد أن توفّر الدعم لموسم التفاح الذي يمثل زراعة وطنية تساهم في بقاء اللبنانيين في أرضهم وقراهم”. ولفت كيروز إلى الإتصالات المستمرة مع وزير الزراعة أكرم شهيب “الذي يجهد من أجل إيجاد الحلول المناسبة”.
مقاومون، ومعركة من نوع آخر
المزارعون أطلقوا صرختهم، والمسؤولون المباشرون داروا دورتهم، والمتابعون قدّموا مقترحاتهم وما لديهم، والدولة تبلّغت بحجم الأزمة ووطأة المعاناة، ولم يبقَ إلا أن يبادر من بيده القرار إلى حل هذه الأزمة ولو بما تيسّر. فالمسألة كما يقول أحد المسؤولين، ليست معيشية صرفاً أو إقتصادية بالغة الأهمية، بل هي مسألة وطنية إجتماعية ذات أبعاد ديموغرافية، وهنا مكمن الأهمية. مزارعو التفاح الذين صمدوا في هذه الجبال وصمدت بهم، ليسوا مجرد مجموعة من العمال الذين يمكن أن ينتقلوا للعمل في مكان آخر أو قطاع آخر. هم شعب تجذّر في هذه الأرض فانطبع بها وتماهت به حتى صارا واحدا. وعند افتقاده لمقومات الحياة الكريمة وسبل العيش اللائق، سوف يكون مرغما على الهجرة أو النزوح، وكلاهما بات يهدد بقوة الجماعات التي لطالما طوّعت الجبال وأعطتها نكهة المقاومين الأوائل.
هؤلاء المقاومون، يصفهم أحد الرهبان الموارنة بأنهم ليسوا مقاومي غزاة وطغاة فقط. هم في الأساس مقاومو شظف العيش وقساوة الحياة، وقد نجحوا وحققوا المعجزات، فلا نتركهم يخسرون معركتهم اليوم. معركة بقاء الجذور في أرضها أو انسلاخها إلى حيث لا فضاء فسيحا ولا مصير غير اليباس.
ولكن لماذا الأزمة أكثر حدة هذا العام علما أن معابر التصريف البرية مقفلة منذ أعوام، والأسواق الخارجية ضيّقة أصلا؟
عن هذا السؤال يجيب النائب كيروز لـ”المسيرة” أنه بعد تضافر العديد من عوامل ضيق التصدير، كان هناك منفذ لا بأس به هو السوق المصري، الذي شكّل لسنوات بارقة أمل استطاعت إنقاذ المواسم ورفد المزارعين بما يعوّض بعض التعب والتكاليف. لكن المشكلة هذا العام تمثّلت بهبوط سعر الجنيه المصري بحيث بات التصدير إلى مصر غير ذي عائد أو جدوى للمزارع، وإن كانت مصر ما زالت مستعدة لاستيراد التفاح اللبناني. هذا الواقع المستجد هذا العام مضافا إلى معوقات أخرى شكّل العناصر الأساسية للأزمة التي يعاني منها المزارعون.
وهكذا يبدو أن الأزمة في الواقع ليست مجرد مشكلة إقتصادية أو أزمة قطاعية، إنما أزمة تبدّل المعايير والقيم والمفاهيم بما بدّل العديد من الوقائع. أحد القيّمين على هذه الزراعة في بشري أكد على ذلك مذكّرا بحادثة طريفة لكنها ذات معنى عندما أهدى أحد أبناء بشري من آل شباط صندوق تفاح إلى الأخوين الرحباني في زيارة صداقة لهما. وعندما سأل عاصي من أين هذا التفاح، أجاب شباط محاولا إظهار اهتمامه: “هيدا منقّى من سبع بساتين”. فما كان من عاصي إلا أن تناول عوده وقال إسمعوا، بساتين بشري لا تنتج التفاح فقط بل الأغاني أيضا، ودندن على عوده أغنية: “جبتلك صندوق تفاح منقى من سبع بساتين”، التي أصبحت من أشهَر الإنتاجات الرحبانية في ما بعد.
وأضاف المتكلم البشراوي، كان التفاح ثمرةً ومورد رزقٍ ودواءً وتراثاً ألهم الشعراء والملحنين، فلا تدعوه عبئاً يتقاذفه المزارعون والمسؤولون، وهمًّا سنوياً، بدل أن يكون موسم خير، وسلعةً تُرمى على الطرقات لتنبيه أعين وآذان وضمائر المسؤولين على ثمرة تبدّلت نكهتها من حلو… إلى مرّ.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]