أهمّ ما حقّقه موقف البطريرك الراعي وبيان المطارنة الموارنة في 5 تشرين الأوّل 2016، وهو يوم يمكن تثبيته في التاريخ، إعادة المساواة بين جميع الطامحين للرئاسة، وفتح سجلّ الترشيح من خارج “الفرسان الأربعة”، ودوّامة “الرئيس القوي”.
صحيح أنّ هذا الموقف كان موجّهاً، بالشكل، إلى الرئيس نبيه برّي، لكنّه، في جوهره، طال المرشّحين للرئاسة الذين تسبّبوا بأزمة الفراغ في كرسيّ بعبدا من خلال أحاديّتهم التي استغلّها طالبو الشغور ومريدوه في هذه المرحلة.
وقد وضع البيان – النداء الذي أطلقه مجلس بكركي حدّاً فاصلاً بين ما مضى من فراغ وتفريغ وأحاديّات، وبين مرحلة آتية مفتوحة على الخيارات لملء الشغور الرئاسي.
فلم تعد الأسماء هي الأساس، ولا الآلات الحاسبة، ولا الشعارات العالية الغائمة المضمون، بل النهج والمنهج، وفق الإطار الوطني الواسع الذي رسمه النداء وأرساه على وثيقة الطائف والدستور.
وبات “الرئيس القوي” هو من يلتزم مضامين هذا النداء، وليس من تسوّل له نفسه الانزلاق إلى التزامات شفويّة وخطيّة تشكّل سابقة في تفريغ معنى الرئاسة الأولى وتمهّد لعرف خطير يقضي على الميثاقيّة في حقيقتها الكيانيّة.
كيف يكون الرئيس قويّاً إذا كان ملتزماً مسبقاً خرق الأساس الأوّل والأهمَ للميثاقيّة، أي عدم إلزام لبنان محوراً إقليميّاً أو دوليّاً، بل التقيّد بالمعادلة الألماسيّة “لا شرق ولا غرب” بمفهومها الحضاري العميق؟
وكيف يكون قويّاً مَن يسبقه توقيعه على “قدسيّة سلاح حزب الله” إلى قصر بعبدا؟
وكيف يكون قويّاً من يراهن على “انتصار” النظام السوري بين ثلثاء وآخر، ومَن “يضع الأمور في نصابها” حين تجتاح مليشيات “8 آذار” بيروت والجبل، ومَن يصنّف “الشهيد” “فقيداً”؟
وكيف يكون قويّاً مَن “يستنوق” ( الجَمَل يصبح ناقة)، ويمدّ اليد الملساء بعد خشونة موصوفة، ولا يتورّع عن مراوغة مكشوفة لاسترضاء الذين أصابتهم نصالُه بجروح عميقة في الروح والجسد؟
بيان بكركي حسم مواصفات الرئيس “القوي” خارج التصنيفات التقليديّة، مثل أرقام التمثيل ومقياس رفع الصوت بالصراخ والهياج الطائفي والمذهبي، ووضَع أمامه خارطة طريق يقوى بالتزامها ويضعف بالمداورة حولها.
وقد بات بعض الأداء السياسي شديد الهزال والمراهقة أمام الأسس الوطنيّة والأهداف السامية التي رفعتها بكركي. فشيء من هذه المراهقة المضحكة والمؤسفة كان الحديث عن “نصف حضور” في مجلس الوزراء و”اختبار النيّة”، في مسلسل التراجعات ومحاولة النزول من أعلى الشجرة، ظنّاً من أصحابها أنّها الطريق المضمون إلى تحقيق الحلم بالكرسي.
الطريق المضمون فعلاً إلى سدّة الرئاسة الأولى هو التزام الشفافيّة في القضايا الجوهريّة، وليس “التفاهمات” سواء جاءت تحت مسمّى “السلّة”، أو تحت مسمّى بنود طاولة الحوار. فليس باللعب على التعابير والأوصاف يُمكن تمرير الخدعة.
والمرشّح المخدوع، أو الخادع المخدوع، ليس من قماشة الرئيس الذي يريده اللبنانيّون، ولا المسيحيّون، ولا بكركي.
ولا يخفى أنّ موقف البطريركيّة المارونيّة وضع ماء كثيراً في نبيذ المتسرّعين، المتهافتين إلى حرق المهل والمواعيد، بمقدار ما أعاد الرئاسة إلى وهجها الصحيح.
فالزخم السياسي الذي أطلقته حركة الرئيس سعد الحريري عاد إلى التمهّل والتبصّر، ليس فقط بسبب الردود السلبيّة لمعظم الكتل السياسيّة على خيار ترشيح ميشال عون، وكذلك الانكفاء الروسي والسعودي عن الموقف الواضح، وعودة سيغرد غاغ خالية الوفاض من طهران، بل نتيجة دخول بكركي بقوّة إلى الملفّ الرئاسي برمّته.
وكلّ ما يمكن توقّعه من مشاورات الحريري الواسعة هو فتح الخيارات وليس إقفالها على مرشّح واحد، وهذا ما يتقاطع في الجوهر مع رأي بكركي، ومرامي بيانها.
ولا يسع أيّ مراقب أن يتجاهل التأثير السلبي لموقف البطريرك الراعي على الخيار الرئاسي “الوحيد” الذي كان في الواجهة، وتأثيره الإيجابي على فتح الخيارات على أصولها الديمقراطيّة والدستوريّة السليمة.
نعم، ما بعد 5 تشرين الأوّل 2016 ليس كما قبله.
وكرسي بعبدا باتت أمام متساوين في الحظوظ.
أقربهم إليها أصدقهم في التزام وثيقة بكركي، وأعرفهم في عمق الميثاق الذي نهض عليه لبنان السيّد، المستقلّ عن “الشرق والغرب”.