
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1581
لن يقول “حزب الله” إنه ضد وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا. يكفي ألا يفعل شيئاً لدعم انتخابه حتى يبقى مرشحه الأول والوحيد طالما هو مستمر في ترشحه ولا يعلن انسحابه لتبدو الصورة كأن الحزب ينتظر أن تأتي تلك اللحظة من الجنرال حتى يتحرر أمينه العام السيد حسن نصرالله من التزامه العلني والأخلاقي والمبدئي بالعماد عون وحتى لا يكون هو المبادر إلى التخلي عنه.
لا يريد “حزب الله” رئيساً للجمهورية. هذا القرار لا يتعلق بالعماد عون أو بغيره. لم يكن الحزب يحتاج إلى كل هذه المرحلة من الإنتظار القاتل حتى يأخذ القرار بانتخاب “مرشحه”. كان يكفيه أن يقتنص اللحظة التي أعلن فيها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع تبني ترشيحه من معراب في 18 كانون الثاني الماضي حتى يبادر إلى فتح الطريق أمامه وتذليل العقبات التي تكاد تصبح عقوبات في حق العماد عون وحق الرئاسة والجمهورية.
لم يعلن “حزب الله” في أي لحظة سابقاً أنه يريد أن يكون الرئيس سعد الحريري ممراً إلزامياً لوصول العماد عون إلى بعبدا. لم يضع مثل هذا الشرط. كان يقول “مرشحنا معروف. اذهبوا وانتخبوه وتنتهي المشكلة”. ولكن ما ظهر من معطيات جديدة أكد ما كان شبه مؤكد بأن الحزب ليس مع عون بل يتمسك بترشيحه حتى لا يتم انتخاب رئيس للجمهورية.
عندما كان هناك مرشحان معلنان للرئاسة قطع “حزب الله” الطريق. بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع ما كان يمكنه أن يتخلى عن عون وهذا طبيعي ومفهوم وموضوعي نظراً إلى ما يشكله وصول الدكتور جعجع إلى بعبدا من تحديات للحزب لا تتعلق فقط بموقفه العدائي تجاه “القوات اللبنانية” إنما بما يمثله الدكتور جعجع و”القوات” من مشروع إنقاذ للدولة والجمهورية ومن تحديد للمخاطر التي يشكلها عليهما “حزب الله” بسلاحه وخياراته العسكرية التي تتجاوز الحدود اللبنانية ونظرية الكيان اللبناني.
ما لم يكن مفهومًا وقوف “حزب الله” أيضاً وراء العماد عون لمنع وصول النائب سليمان فرنجية بعدما تبنى ترشيحه الرئيس سعد الحريري على رغم أن فرنجية من صف قوى 8 آذار ولا يتوانى في كل مناسبة عن التأكيد أنه في حلف استراتيجي مع الحزب ومع النظام السوري وبشار الأسد. لم يكن الحزب ضد خيار فرنجية بالمطلق ولكنه كان ضد تفاهمه مع سعد الحريري. لا يستطيع “حزب الله” أن يغامر بأي مرشح في هذه المرحلة حتى لو كان سليمان فرنجية. عهد الوصاية السورية الذي كان بالتكافل والتضامن مع “حزب الله” فضل إميل لحود على فرنجية مثلاً. لماذا؟ لأن لحود لا يتمتع بأي تمثيل شعبي ولا قاعدة له ويمكن تحريكه وفقاً لما كان يتقرر في عنجر وفي دمشق بالتنسيق مع حارة حريك. فرنجية لم يكن بعيدًا عن هذا الموقع ولكن كونه يمتلك حيثية تمثيلية في زغرتا لم يكن خياراً وارداً.
لذلك ربما يفضل “حزب الله” اليوم، عندما يتلاءم موعدها مع توقيته المناسب، أن تبقى الخيارات الرئاسية وأن يكون الرئيس من فئة رؤساء عهد الوصاية لا حيثية ولا قدرة له ولا تمثيل ومجرد موظف معيّن في وظيفة رئيس يؤدي فقط واجب الطاعة العمياء للحزب كوصي جديد ودائم على الجمهورية. رئيس محكوم لا حاكم ولا حكم.
منذ تسرّب خبر لقاء فرنجية مع الحريري لزم الحزب الصمت. ولكن ماذا فعل في المقابل؟ بدأ يسرّب أنه ليس مع هذا الخيار وأطلق ملاحظاته الكثيرة وخرج من بين المنظرين له من كاد يلعن سليمان فرنجية ويصفه بأنه خان الحزب وتوجهاته وعقد صفقات مع الرئيس سعد الحريري.
هكذا يتصرف الحزب أيضا مع العماد ميشال عون. كان يكفي أن تسقط محاولة انتخاب فرنجية بتمسك العماد عون بترشحه وبتمسك “حزب الله” بالعماد عون قبل أن يبادر الدكتور سمير جعجع إلى خطوة تبني ترشيح الجنرال التي لم يكن الحزب يتوقعها. كان “حزب الله” يراهن على أن جعجع لا يمكنه أن يتخطى الحاجز التاريخي الذي يفصل بينه وبين عون وأنه لا يجرؤ على أن يكون ضد خيار فرنجية بعدما تم الترويج له على أساس أنه خيار المملكة العربية السعودية أيضًا. على عكس توقعات الحزب كان جعجع مبادرًا وبدل خطوة واحدة اتخذ القرار بالسير بالخطوتين معاً.
لاذ “حزب الله” بالصمت أيضاً. كيف يقنع العماد عون أنه معه؟ انتقل إلى محور آخر. صار يريد أن يمر انتخاب عون بتأييد الرئيس سعد الحريري له. كان يدرك أيضاً أن الحريري لن يقدم على هذه الخطوة وأنه سيحمّله مسؤولية استمرار تعطيل وصول عون إلى بعبدا. كان يراهن على أن أبعد ما يمكن أن يصل إليه الحريري هو التخلي عن ترشيح فرنجية.
لذلك عندما غادر الرئيس الحريري معادلة فرنجية وقرر الإنتقال إلى خيار عون لاذ الحزب بالصمت. لم يعد الحديث فقط عن التمسك بترشيح العماد عون ينفع. لقد تخطت التطورات هذا الأمر وبات من الواجب الإنتقال إلى التنفيذ: هل يريد “حزب الله” انتخاب العماد عون أم لا؟ باتت هذه هي المسألة. وقف الحزب وراء حاجزين: أن يعلن الرئيس سعد الحريري صراحة قرار السير بانتخاب العماد عون وأن يوافق الرئيس نبيه بري على هذا الأمر أو أن يعلن أنه ليس معه ولكنه ليس ضده بالمطلق.
توجس “حزب الله” من خطاب العماد عون الجديد تجاه الرئيس سعد الحريري والسنّة والمملكة العربية السعودية وبدأ، كما حصل بعد ترشيح فرنجية، تسريب أخبار عن تفاهمات حصلت بين الوزير جبران باسيل ونادر الحريري مدير مكتب الرئيس سعد الحريري ومن ضمنها الإتفاق على بعض الحقائب الوزارية ولذلك سرّب أيضًا أنه ضد إعطاء أي وزارة سيادية لـ”القوات اللبنانية” ليؤكد بذلك أنه ضد أي تفاهم بين عون و”القوات” وبينه وبين الحريري.
يشكل العماد عون نقزة كبيرة بالنسبة إلى “حزب الله”. فهو ليس من طراز رؤساء عهد الوصاية. وهو يرغب ويريد أن تستعيد الدولة سلطتها وأن تعود للمؤسسات هيبتها. يدرك الحزب أن هذه السياسة قد لا تكون في مصلحة الرئيس سعد الحريري ولكنه يخاف أيضاً أن لا تكون في مصلحته. كان في إمكانه أن يعرقل انتخاب فرنجية ولكنه يجد صعوبة أكثر في معارضة انتخاب العماد عون. قبل العام 2005 كانت لديه مشكلة كبيرة مع الشارع المسيحي لم يكن وجود فرنجية في خط 8 آذار حلاً لها. عندما ذهب العماد ميشال عون في 6 شباط 2006 إلى كنيسة مار مخايل في الشياح لتوقيع وثيقة التفاهم مع السيد حسن نصرالله كان يقدم إليه هدية لا تقدر بثمن في حسابات الحزب. في انتخابات ربيع العام 2005 لم يكن “حزب الله” في هذا الوارد على الإطلاق. كان لا يزال خائفاً ومتوجساً من مواقف العماد عون المعارضة لولاية الفقيه ولممثلها في لبنان وكانت أصداء كلماته في الكونغرس الأميركي في شهادته قبل إقرار “قانون محاسبة سوريا” تأسيساً للقرار 1559 لا تزال ترن في آذان الحزب. لذلك فضل وقتها أن يذهب إلى التفاهم الرباعي لتمرير الإنتخابات ولاحتواء الآثار السلبية لخروج الجيش السوري من لبنان ولتداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
لم يكن “حزب الله” يحتاج إلى أكثر من تصعيد حدة الحرب في سوريا وحول حلب بين الإدارتين الأميركية والروسية ليقف خلفه قبل الحسم في موضوع الرئاسة. ولم يكن يحتاج إلى أكثر من الغارة على مجلس العزاء في صنعاء حتى يصعِّد مواقفه ضد المملكة العربية السعودية ليحقق مسألتين: تجميد قرار الرئيس سعد الحريري بتبني ترشيح العماد عون وتأخيره وإحراج العماد عون في موضوع الإنفتاح أكثر على المملكة العربية السعودية والرئيس سعد الحريري. فهو يريد دولة ضعيفة ولا يريد لا العماد عون ولا غيره وهدفه مع إيران الإستثمار في الفوضى اللبنانية ولا يرغب في تكرار تجربته مع الرئيس ميشال سليمان الذي بدأ عهده مع ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة وأنهاه بإعلان “مبادئ بعبدا” واعتبار أن هذه الثلاثية خشبية ولم تعد صالحة للبنان وأن الجيش اللبناني هو الذي يضمن استراتيجية الدفاع عن لبنان.
لذلك يقف “حزب الله” ضد انتخاب العماد عون. ولذلك ربما على الرئيس سعد الحريري أن يسرِّع أكثر في اتخاذ قرار تبني ترشيح عون لأن “فشل مبادرته ستجعل لبنان أمام احتمالات رهيبة لا أريد التفكير بها” كما قال رئيس “القوات” سمير جعجع.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]