#adsense

جمهورية البازارات العرفية 

حجم الخط

حتى في اشد الظروف التاريخية حلاكة، لم يعش لبنان الظرف المتأزم الذي نحن فيه حالياً، فالمسألة لم تعد مسألة فراغ وتفريغ للمؤسسات الدستورية، بل اضحت تلامس طرح وجودية لبنان ككيان مستقل سيد وحر مع ما يعنيه ذلك من شروط الحد الادنى من النظام الدستوري والمؤسساتي وآليات القرار وتقرير المصير الواجب توفرها .

هكذا وبكل بساطة، تجاوز فريق من اللبنانيين ممثلا بـ”حزب الله” الاعتبارات اللبنانية والسيادية، وباتت اطلالات امين عام الحزب السيد حسن نصرالله مناسبات لتجديد التزامه وحزبه بالتورط المأساوي في أزمات المنطقة بدءًا من سوريا وصولاً الى اليمن مروراً بالعراق، ومن دون  أي رابط مع لبنان الا في الشق الاخير من الخطب، لان لبنان بات تفصيلاً .

هكذا بكل بساطة  لم يعد لدينا دستور نحتكم اليه الا من باب المزايدات والخطابات الظرفية، مستعينين باسمه فقط، عندما يخدم موقفا مرة من هنا أو عند اشتباك سياسي او كلامي من هناك.

هكذا بكل بساطة بات لبنان الدولة والمؤسسات والنظام بلا سقف ولا ضوابط، الا التفاهمات الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية على طريقة مجالس العشائر،  مبتكرين اعرافاً جديدة ومفاهيم دستورية حديثة وليدة الساعة والحاجة، غير آبهين بان ضمان استمرار الدولة والجمهورية يبدأ وينتهي بالنصوص والدستور، وقد رأينا ولا نزال الى أي درك وصلت إليه البلاد بفعل الأرانب المبتدعة والسيناريوهات المبتكرة …

فعجزنا عن انتخاب رئيس للجمهورية دليل قاطع على عجزنا عن الحفاظ على الجمهورية، لان تلك الجمهورية اسمى وأرفع، منطقها غير منطق الصفقات، وشروطها لا تتناسب مع شروط السلل أما ضماناتها فهي غير ضمانات الملل …

عجزنا عن اعادة “حزب الله” الى رشده ولبنايته دليل قاطع على عجزنا عن الاقتناع بان لبنان هو بلدنا اولاً واخراً، وبرهنّا ان الهوية اللبنانية المنصهرة في بوطقة العيش المشترك والتصالح مع الذات والآخر، تأتي في مرتبة ادنى على سلم اولوياتنا الوجودية…

عجز “حزب الله “عن العودة الى لبنانيته دليل قاطع على خلل في التركيبة الجيو- سوسيولوجية الداخلية التي نمّت في الاحقاد والضغائن افكار الحمائية الذاتية وصولاً الى الانفصالية والتبعية والتورط والانخراط في عباءات الاخرين من خارج الحدود …

ان الحديث عن مؤتمر تأسيسي او مرحلة تأسيسية ارادوه بداية بمثابة بالون اختبار، فاذا بالصعوبات والعراقيل في وجه اعادة دوران النظام الدستوري وانتخاب رئيس للجمهورية  تقودنا الى تحقيق هدف مشبوه في التأسيس لا يمكن تفسيره الا انقلاباً سياسياً ووطنياً على النظام، وقد نجح البعض في خلق الالتباسات والتفسيرات والاجتهادات المتناقضة حول مفهوم الميثاقية وسواها لافراغ كرسي الرئاسة الاولى من ابعادها الميثاقية لا بل لافراغ الميثاقية بحد ذاتها من الزاميتها واصالتها وحتمية ومشروعية المطالبة بها، حتى يكاد البعض ينسى ان ثمة اهمية قصوى في انتخاب رئيس للجمهورية او اهمية قصوى في الحفاظ على التوازنات الوطنية في الوظائف العليا والادارية… وطالما ان البلد ماشي … فالوصول الى مرحلة تأسيسية بات احتمالاً واقعياً بعد كل الذي جرى ويجري وسوف يجري على وقع التوتر الاقليمي المتصاعد والاصطفافات الطائفية والمذهبية الدراماتيكية،  بانتظار ساعة إعادة فتح البازارات باذن المايسترو الاميركي الجديد.

لن نقول بعد اليوم إن الجمهورية بخطر او انها على حافة الهاوية، فالخطر بات وراءنا اذ يسكنها ويتلاعب بها على هواه في رقصة اشبه ما تكون برقصة الموت مع الشيطان… والهاوية باتت سمة المرحلة، فنحن في قعرها والأدهى ان بعضنا يتلذذ بها وينتفع منها ويكتسب من ويلاتها لتحقيق اهداف ضيقة ومصلحية… لا بل يمعن في تأجيجها وتعميقها.

لم يعد المهم انتخاب رئيس الجمهورية على اهمية الاستحقاق ومصيريته، بقدر ما بات المهم ان ننجح في الحفاظ على تلك الجمهورية اولاً …

لبنان بات جمهورية الاعراف المبتدعة والسلل “المتدسترة ” فكيف يمكن ان يحيا وطن ويتقدم بمثل هذه البازارات… ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل