#adsense

نداء بكركي: هذا ما تفعله “القوات”

حجم الخط

الفراغ الرئاسي في شهره الخامس بعد السنتين. ومحاولات انتخاب رئيس تدور في “حلقة مفرغة”. للمرةّ الثانية يخلط الرئيس سعد الحريري الأوراق. في الاولى رشّح النائب سليمان فرنجيه. وها هو في المرّة الثانية يدرس خيار تبني ترشيح الجنرال ميشال عون.

منذ عودته الى لبنان، قام الحريري بجولات داخلية استطلاعية. وأخرى خارجية وصلت به الى موسكو. عقد الاجتماعات. تشاور. سمع الآراء. وحصلت لقاءات بين مدير مكتبه نادر الحريري ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل وتم البحث بينهما في آلية الحكم بعد انتخاب العماد عون. لكن المشكلة الأساسية بقيت في معارضة الرئيس نبيه بري القوية لانتخاب عون. مصادر تفيد بأنه حاول المفاوضة بـ “سلّته” مع الاثنين. لم ينجح. فكان اصراره الاشدّ على “سلّته” كشرط لانتخاب رئيس. اي رئيس. ما استدعى موقفاً “صارخاً” من البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي رافضاً لـ “السلّة”. اكّد عليه مجلس المطارنة في “اليوم الثالث”. العظة كانت قوّية بلهجهتا. أما البيان – النداء فكان حاسماً بتأكيده على ما أتى فيها. انزعج رئيس المجلس من العظة. ووزع ردًا قاسيًا. ولكنه استدرك وأيّد النداء بكل ما رود فيه! إنه الرئيس برّي. لم يكتفِ بذلك. فأوفد “رجل المهمات الصعبة” في كتلته وحركته الوزير علي حسن خليل الى بكركي ليصرّح بعد اجتماعه بسيّدها: “نحن والبطريرك الراعي مرتاحون تماما وكل شيء يريح بكركي فنحن جاهزون له”.

السؤال لماذا اعلَت بكركي الصوت في هذا الظرف بالذات؟ على هذا السؤال تؤكّد مصادر في بكركي ان البطريرك لم يتوقّف عن الدعوة الى انتخاب رئيس بحسب الاصول الدستورية. ولكن كلامه لم يُسمع. ورأت في الآونة الأخيرة ان ما يُسمى “سلّة” او “تفاهمات” يخلق سابقة خطيرة في انتخاب رئيس الجمهورية. فكان لا بد من موقف استثنائي. من هنا كانت العظة. ومن ثم النداء الذي يؤكّد على نقاط اساسية لم يبرح سيّد بكركي التشديد عليها:

النقطة الاولى، “التقيّد بالدستور”. فهو المرجع. وهو الحَكَم. وهو المقياس الذي يضع حدوداً للصراعات السياسية ومناوراتها. إنه النص الذي يجسّد اتفاق ابناء الوطن الواحد على العيش معاً. هو الذي يحكم حياة المواطنين. وهو الذي يحدّد الخطوط العريضة للحياة السياسية وآلياتها. وأهم هذه الآليات انتخاب الرئيس. كما يحدّد واجبات وحقوق الجماعات التي تكوّن المجتمع. وكذلك واجبات وحقوق الفرد في المجتمع. هو الذي يقرّ الحرّية في النظام الديموقراطي وآلية تطبيقها. الى ما هنالك من شؤون اساسية في الحياة السياسية. الدستور هو المقياس لسنّ القوانين. وهو اذاً المقياس للحياة السياسية في الوطن. تجاهله يؤدي الى الضياع وفقدان القدرة على الاتفاق على اي مسألة بين ابناء الوطن الواحد. وهذا ما هو حاصل اليوم. الضياع يسيطر على الحياة السياسية اللبنانية وعلى السياسيين. غالبية هؤلاء فقد “بوصلة” العمل السياسي، الا وهي الدستور. بعضهم وضعه في الُدرج فأكله العفن. او على الرف فغطّاه الغبار. أما البعض الآخر فيستعمله من حين الى آخر على قاعدة “لا إله” وينسى او يتناسى ان يكمل الآية: “إلا الله”. والأسوأ من ذلك أن هذا البعض هو ذاته يكفّر الآخرين بالوطنية.

النقطة الثانية التي تطرّق إليها نداء المطارنة يوم 5 تشرين الاول الجاري هي ضرورة “التقيّد بالميثاق الوطني الذي هو روح الدستور”. لغوياً الميثاق هو “العهد” بين طرفين او اكثر. سياسياً هو “الشريعة” التي تتضمن “الثوابت” في أساس تكوين الدولة. فهي لا تتبدّل كل يوم. لا تكون “غِبّ الطلب”. ولا يجوز أن تكون مجتزأة. ومن المُعيب استعمالها بشكل رخيص للوصول الى مآرب شخصية او اهداف سياسية لفئة او لحزب. للأسف، لم يتوانَ العديد من الاطراف السياسية عن فعل كل هذه. لهذا كانت صرخة بكركي وبطريركها واساقفتها بقولهم في ندائهم بأن الميثاق لم يكن يوماً “مجرّد تسويات او تفاهمات عابرة، يُقبل بها اليوم ويُراجع في شأنها غداً، او يتم التراجع عنها في أوقات تضارب المصالح والخيارات”. من هنا يمكن القول ان النداء يعني القوى السياسية التي تُظهر انها تسعى الى انهاء الشغور من خلال محاصصات مسبقة. حزب “القوات اللبنانية” ربّما هو الوحيد غير المعني به. لا بل هو الوحيد الذي تعاطى مع الاستحقاق، منذ البداية، بحسب الاصول الدستورية كما يدعو النداء. فهو تقدّم بترشيح رئيسه علناً وبطريقة تليق بالموقع. ولا يقاطع الجلسات الانتخابية التي بلغ عددها خمسًا واربعين حتى اليوم. وعندما رأى استحالة وصول مرشّحه، لم يتوانَ عن تبني ترشيح خصمه للخروج من الفراغ. كما رفض “السلّة”. ولم يشارك في “التفاهمات”.

النقطة الثالثة الاساسية في نداء المطارنة الموارنة هي “قانون الانتخاب العتيد”. المشاورات في شأنه تجسّد بشكل مباشر وواضح تجاهل الدستور والميثاق. لذلك، ومنذ اكثر من ثماني سنوات، لم يتم الاتفاق على قانون انتخابي تقسّم على أساسه الدوائر الانتخابية وتحدّد طريقة الاقتراع. في كافة بلدان العالم الديمقراطية وضع قانون الانتخاب وتقسيم الدوائر هي مسألة جيوسياسية، إذ تشهد صراعات بين الاطراف السياسية. كل طرف (حزب او دين او مذهب او مجموعة اثنية…) يسعى الى قانون يؤمن له افضل تمثيل في البرلمان. في الديمقراطيات الحقيقية، حيث يُحترم الدستور، تتوصّل الاطراف السياسية الى قانون انتخاب.

أما في لبنان، فالمقاييس ليست فقط مختلفة إنما ايضاً مقلوبة رأساً على عقب. في الديموقراطيات تهدف الانتخابات الى تجديد الحياة السياسية عبر إفساح المجال أمام افراد جدد او احزاب حديثة بالوصول الى الندوة البرلمانية. أما في لبنان فهناك احتكار للتمثيل النيابي مذهبيًا وطائفيًا، وهناك مطالبة بأن يكون قانون الانتخابات الجديد عاكسًا للتمثيل الحقيقي لمكوّنات المجتمع اللبناني وخصوصًا الجانب المسيحي لتأمين التوازن الوطني المطلوب. لذلك يدعو نداء المطارنة الى قانون انتخابي “يفسح في المجال لقوى جديدة وروح جديدة تصل الى المجلس النيابي، فلا يكون قانوناً مفصّلاً بإحكام ليعيد إنتاج ما هو قائم”. فتبقى البلاد في دوامة الحلقة السياسية المفرغة، حتى ولو تم التوصّل الى إنهاء الفراغ الرئاسي الحالي.

ثمة من يعتقد ان ما طرحه النداء وما اوردناه لا يصلح سوى لـ “جمهورية افلاطون”. ويغيب عن بال هؤلاء ان ما اتى في مبادئ تلك الجمهورية منذ اكثر من الفي وستمائة عام كان المُلهم لفلاسفة “عصر الانوار” الذين نظّروا للمبادئ الديموقراطية التي اعتمدتها الدول الغربية ابتداء من القرن التاسع عشر وطوّرتها في القرن العشرين. يبدو ان العديد من السياسيين في بلادنا لا يزال يعيش في “عصر الظلمة”.

فهل سيبقى نداء بكركي صرخة في ليل لبنان المظلم؟ وهل قالت بكركي كلمتها للتاريخ فقط أم أنها ستعمل على وضعها موضع التنفيذ باعتماد آلية للمتابعة والترجمة بحيث لا تبقى مجرد حبر على ورق؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل