#adsense

المساواة الأمنية بين الجماعات شرط أولي للمساواة القانونية بين المواطنين

حجم الخط

المساواة الأمنية بين الجماعات شرط أولي للمساواة القانونية بين المواطنين
المطلوب هيئة وطنية لـ"تعريف" الطائفية السياسية

"الطائفيّة السياسيّة" من أكثر المقولات التباساً وضبابيّة في الخطاب اللبنانيّ. درجت العادة، تارة بشكل دوريّ وتارة أخرى بشكل موسميّ، على الدعوة لتقويضها أو إلغائها. وبرز أيضاً من يدافع، مواربة أو مباشرة، عن استمرارها. وثمّة من يكتفي بطرح تصوّرات لتخفيف حدّتها، وهناك من يندفع للتمييز بين مستوياتها، ولتفريعها بين ضار ونافع، وبين أصيل ووافد، وبين حقيقيّ ومصطنع، وبين ما لا مناص منه وبين ما لا مناص من تجاوزه، تجد من يرى أنّها عدوّة التحديث، وتجد من يرى أنّها التحديث عينه مطبّقاً على الواقع اللبنانيّ، وبين هذا وذاك تقوم المحاولات لتحديث أشكالها وتعابيرها، إمّا على أساسّ أن "الطائفيّة السياسيّة" لا بدّ من أن تجاري العصر، وإما على أساس أنّه لا بدّ للعصر أن يجاريها.

لأجل ذلك، فإنّ كل النقاش حول الهيئة الوطنيّة المكلّفة، بحسب تسوية الطائف، وضع برنامج لإلغاء الطائفية السياسيّة، إنّما هو نقاش عليه أن يعرّج أوّلاً إلى مهمّة تطرح نفسها، وبإلحاح، وبشكل أولى: إنّها مهمّة تعريف الطائفيّة السياسيّة أي تحديد المجال الذي يراد تخفيفه أو تحديثه أو تطويره أو إلغاؤه، والأهمّ من ذلك بلورة أو إيجاد المجال الموازي، أو المتفلّت أو المتجاوز، لهذه الطائفيّة السياسيّة. وكلّ من أراد أن يقفز على ضرورة أن تقوم الهيئة الوطنيّة في مرحلة تاريخية أولى بتعريف الطائفيّة السياسيّة وتعريف ما يناقضها إنّما يقع في مطب تشكيل هيئة مكلّفة بإلغاء الطائفة السياسيّة لكنّه مفترض فيها أوّلاً أن تلغي طائفيتها هي، وأن تخرج من متاهة الإلغاء الطائفيّ للطائفيّة، أي الانتقال من طائفيّة مقيّدة كيانيّاً وميثاقيّاً ودستوريّاً، إلى طائفيّة لا ضوابط كيانيّة ولا ميثاقية ولا دستوريّة لها، أي طائفية تحتكم إلى الشوكة الجلفة والعصبيّة العارية، طائفية تلغي آخر معالم الدولة اللبنانيّة تحت شعار إلغاء طائفيّة الدولة اللبنانيّة.

من الضرورة إذاً المرور بمرحلة تاريخيّة كاملة يكون محورها "تعريف" الطائفيّة السياسيّة، وتقوم فيها هيئة وطنيّة تعمل على وضع تعريف يتّفق عليه الجميع لهذه المقولة، إن كان ذلك ممكناً، وإلا يمتنع كل تقدّم في هذا الشأن. فإن لم يكن ثمّة اجتهادات متنوّعة للبحث عن تعريف يجمع عليه اللبنانيّون في آخر الأمر لماهية الطائفيّة السياسيّة، فمن أين للهيئة الوطنيّة المنشودة أن تأتي بلاطائفيين؟

من الهراء تصوّر أن اللاطائفيّ هو من يدعو جهاراً لإلغاء الطائفية السياسية في حين أن الطائفيّ هو من يدعو لاستمرارها. فكم مرة أريد إلغاء الطائفية السياسية التقليديّة باسم أخرى إصلاحيّة أو ثوريّة، وكم مرة أريد إلغاء الطائفية السياسيّة السلميّة من طريق أخرى حربيّة، والآن يراد التهديف على "طائفيّة سياسيّة" لا تعرف كيف تعيد التوازن بين المؤسسات وبين المجموعات، إنّما من موقع طائفيّة أخرى، تجمع بين الدعوة لإلغاء الطائفيّة، وبين الواقع المكشوف لطائفيتها الديموغرافية المسلّحة، ذات طاقة الدفع الأيديولوجيّة المغالية، والمشاريع الهيمنية داخليّاً، والتمدّدية إقليميّاً، والإلتحاقيّة إقليميّاً أيضاً.

والقضية ليست إلغاءها من النفوس قبل النصوص، لأنّه من قال أنّ "علم النفوس" هذا هو الذي على أساسه تفحص المسلكيات الطائفية لكلّ واحد منّا؟. إذا ما ركنّا إلى المقاربة النفسية وحدها لانعدم في لبنان من يبرأ من هذه الطائفيّة، أو اقتصر الناجون منها على بضعة أفراد، أفراد مطيّفون حتماً حالما يغادرون فرديتهم إلى أي اجتماع كان. وإذا ما ركنّا إلى المقاربة السوسيولوجيّة وحدها لصار لبنان مجموعات طائفية لا نعود نعرف أيّ منها عليها أن تحلّ عصبيّتها السياسيّة كي نخلص من الطائفيّة، وأليس الأولى تأمين مساواة أمنيّة بين كل المجموعات قبل التفكير في أي شيء آخر؟ إذا كان إلغاء الطائفية هو بقصد تحقيق مساواة قانونية كاملة بين المواطنين فهذا مستحيل قبل تحقيق المساواة الأمنية بين الجماعات.

أمّا إذا خرجنا من الدوامتين السيكولوجية والنفسيّة، وركنّا إلى الميثاق اللبنانيّ الذي يقيم الدولة على أساس المناصفة بين مسلمين ومسيحيين، ويجعلها دولة مسيحية للمسيحيين وبما يرضي ضمائرهم، ومسلمة للمسلمين بما يوافق ضمائرهم أيضاً، فعندها نكون أمام بداية وضع تعريف للطائفيّة.. وإلا ستغدو المقولة تنطبق على كل شيء ولا شيء.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل