
بري يقوطب على محاولة سليمان استعادة بعض صلاحيات الرئاسة
كتب أسعد بشارة: "انتبه يا دولة الرئيس فاصرارك على تنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف سيؤدي الى اصطدامك بحزب الله". هذا ما أرسلته عصفورة رشيقة غطت على وثيقة الوفاق الوطني اللبناني ونقلت منها الى المشترع الأول رئيس مجلس النواب نبيه بري مضمون الفقرة الثالثة من الوثيقة التي تتحدث عن تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي التي تقول بالنص: "استعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً تتطلّب الآتي:
أ- العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الاحتلال الاسرائيلي ازالة شاملة (الأمم المتحدة اعتبرت بعد العام 2000 ان القرار 425 قد نُفذ ورسمت الخط الأزرق).
ب- التمسك باتفاقية الهدنة الموقعة 23 آذار 1949 .
ت- اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي (وهي الفقرة التي يفذلك عبرها بري تشريع السلاح) وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الاسرائيلي ولاتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار الى منطقة الحدود.
هذا في الفقرة الثالثة أما في الفقرة الثانية فإن بنداً أساسياً في الطائف يقول بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة خلال ستة أشهر، فمتى نُفّذ كل ذلك؟
طبعاً، لم يُنفذ شيء يُذكر وتحولت الفقرة السيادية الهامة هذه الى أدراج التغييب المتعمّد تماماً كموضوع الغاء الطائفية السياسية الذي يشكل بنداً من أكثر البنود إثارة للحساسية والهواجس المشروعة وغير المشروعة.
وإذا كان شعار الرئيس نبيه بري في التعاطي مع فقرة سلطة الدولة وتطبيق القرار 425 على طريقة "واستعينوا على حوائجكم بالفذلكات والتورية" فإن هذه الاستعانة لا تستطيع أن تحجب بغبار مصطنع الخروقات الواضحة لاتفاق الطائف في موضوع السلاح الخارج عن سلطة الدولة. فهذا السلاح بقي موجوداً خلال فترة الوجود السوري بهدف تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، ولكن لما تحرر الجنوب في عام 2000 استظلت مشروعية بقاء السلاح "بنواصة" اللواء جميل السيد، أحد مهندسي استراتيجية ابقاء الصراع مفتوحاً اعتماداً على ابهام الترسيم في مزارع شبعا، ثم استظلت هذه المشروعية بضرورة استمرار حمل السلاح للدفاع عن لبنان بوجه الخطر الاسرائيلي، وهي قادرة على الاستظلال مستقبلاً بأية فذلكة دستورية. فأين هو إذاً استكمال تطبيق اتفاق الطائف في هذه القضية المرتبطة بجوهر وثيقة الاتفاق الوطني وبناء الدولة وترك أمر الدفاع عنها للجيش اللبناني؟
لعل طرافة الرئيس نبيه بري تكمن بقدرته على لعب دور البطولة الأولى في فيلم الغرائب والعجائب الذي طالما جددت التجربة اللبنانية انتاجه منذ عشرات السنين، فبالطريقة اللبنانية إياها يمكن اللعب بالألفاظ وتغيير المفاهيم الدستورية وتشويهها كلياً والأمثلة التي يمكن إعطاؤها على "حسن تطبيق الطائف" وعلى مباركة الرئيس بري على هذا التطبيق كثيرة منها:
-مباركة الرئيس بري لاستقالة الوزراء الذين مثلوا الطائفة الشيعية في حكومة السنيورة واعتبار هذه الحكومة من قبل الطرف المنسحب حكومة غير شرعية من دون الاستناد الى أي نص دستوري واضح فهل كان ذلك حسن تطبيق للطائف؟
– تهديد الأكثرية النيابية غير الوهمية (التي بارك لها السيد حسن نصرالله بالفوز) بسلاح السابع من أيار إذا لم تشكل حكومة وحدة وطنية فهل كان هذا التهديد من صلب الطائف أم خنجراً مسلطاً على رقبته؟
إن من تابع الرئيس نبيه بري المتحمس للسير ولو وحيداً بتنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف وخصوصاً إلغاء الطائفية السياسية يخال أن الرجل قام بما عليه أو أكثر للحفاظ على انتظام المؤسسات. وهذا المشهد يدعو فوراً الى تذكّر مواقف رئيس المجلس الذي كان في الأوقات الصعبة جزءاً من المعارضة وليس رئيساً للهيئة التشريعية. وهذه غرابة ما بعدها غرابة ولا تنطبق في أي نظام برلماني إلا على التجربة اللبنانية الفريدة.
بناء لما تقدم فإن سيف ديموقليس المسلط على رقبة المسيحيين (الغاء الطائفية السياسية) لم يعد قاتلاً. فالأعراف التي ساهم رئيس المجلس بخلقها على ضفاف الطائف الذي يطالب اليوم بتطبيقه كاملاً فرضت نفسها ولن يستطيع الرئيس بري إصلاح الضرر الذي أحدثه مع رفاقه في المعارضة. وهذا الضرر جعل من المسيحيين طائفة غير مصابة بحمى الرعب من الغاء الطائفية السياسية لأنهم قادرون كما السنة أو الدروز على استعمال العرف "الحزب اللهي الأملي" الذي أعطاه وليد جنبلاط اي "التوقيع الشيعي". ورب قائل إن المسيحيين أو السنة غير قادرين على استعمال هذا العرف لأنهم لا يملكون أداة تنفيذية مكونة من 40 ألف صاروخ لدعمه بوسائل القوة الضرورية، ولكن هذا القول ربما أثبت خطأه لأن تمترس الطوائف خلف أسوارها أثبت أنه يعادل قوة قنبلة انشطارية حتى ولو كان هذا التمترس أعزل من أي سلاح.
ربما كان للرئيس نبيه بري مجموعة أهداف من وراءالبدء بورشة الغاء الطائفية السياسة منها التهويل على بكركي، لكن الواضح أن هدفاً غير مرئي يسكن في ذهنه وهو قطع الطريق على الرئيس ميشال سليمان الذي يسعى الى تمرير بعض التعديلات غير الميثاقية تعزيزاً لصلاحيات رئيس الجمهورية. وفي هذه الحالة ماذا سيكون موقف حليف حليف الرئيس بري الذي يضع هيبة واستعادة صلاحيات الرئاسة الأولى في أول جدول أولوياته؟