.jpg)
كنت في قصر بعبدا وواكبت دخول الرئيس ميشال عون إليه، انا من يقال عني الصحافية القواتية المتعصّبة. صحيح، وانا كذلك، انا القواتية المتعصّبة هللت لدخول الجنرال الى القصر وصفّقت له وهتفت باسمه ووعدته بيني ونفسي اني مثله سأزود عن وطني العظيم لبنان، فأنا أيضاً لي قسمي أمام الناس والله والضمير، واضيف شاهداً اخر بعد، “القوات اللبنانية” وشهداؤها وطبعاً سمير جعجع.
لكل من لا يزال يرفض تلك المشهدية، لكل من لا يزال يعيش في أسى الماضي تحديداً، انا أم الشهيد وابوه واخته واخوه وابنه وابنته وحبيبته، انا من تغّمس قلبي بدمع المرارة حين شيعته الى ذاك القبر والنعش ابيض يختفي في العدم، انا من جعلت صورته ثوبي واسمه وجهي ونعشه قضيتي، اعلن اليوم فرحي، اعلن قبولي، اعلن اقبالي على وطني، بلدي، قضيتي، قواتي، جيشي، بيرقي…
اعلن باسم تلك الجمهورية البائسة المخلّعة المنهوكة المحتلة المهدورة الحرية والكرامة والانسان، اعلن فرحي بعودة الروح الى ذاك الكرسي اولا، الى ذاك الذي تعالى على كل جراح وانتشلها من شغور الكرامة، الى من أعاد اليها بريق الانتساب الى هويتها، من اعاد العلم ليرفرف فوق السارية الطويلة وسط القصر المظلم، من نبش الحياة في نبعة المياه تلك وعادت النافورة تطرطش حياة وانتعاشاً على من يحيط بها…
اعلن انتمائي للقوات اللبنانية، لسمير جعجع، للقصر الجمهوري، لرئيس البلاد ميشال عون، واخبره اني انا أهل الشهيد، اقبّل وجنة جمهوريتي واسلم امر بلادي لرئيسها، واقسم بأني ساكون له سنداً يدعمه في الصعاب، يمشي أمامه حين يدق الخطر ع الابواب، وفي أفراح الوطن واتراحه، ومعه سأزود عن وطني لبنان.
لماذا انا المتعصبة افعل كل هذا؟! لاننا لسنا اناساً عاديين ولن نكون يوماً، لسنا أبناء الحقد والماضي ولا نقبل أن نكون كذلك، نحن المقاومين الشرفاء الذين يحملون البنادق حين تُعلن الحرب ضد هذه الارض، ونسلم البنادق لنكون ابطال السلام حين نلزم بصنع السلام لاجل لبنان.
ليس باسم رئيس الجمهورية افعل كل هذا، انما لأجل الجمهورية، لأجل الحياة التي عادت لتدب في ذاك الكرسي وتكسر ارادة من اراد لها الموت والنهاية، فما كانوا يريدون رئيسا ولا جمهورية بالاساس، لكن بقوة السلم، بالعناد، بالانتماء، بالتسامح، التسامح يا عالم، أعدنا الجمهورية الى كرسيها لتحكمنا الحياة والايمان وليس الاحتلال والقبور آمنوا…
كنت في القصر وانتظرت الرئيس ميشال عون، تجولت في الارجاء وانا سعيدة بالانارة التي عادت تضيء الزوايا، بالمكاتب التي تعج بالموظفين، بالكومبيوترات وهي تداعبها انامل الصحافيين زملائي، كلنا انتظرنا اللحظة، تسمّرنا أمام الشاشات، كلنا كنا نريد اعلان اسم الرئيس وليس كلنا نحب الرئيس لشخصه، نحب رئيس البلاد وكلنا عطشى لتلك العبارة، “رئيس جمهورية لبنان”.
لا تقفوا عند اسمه، توقفوا عند الجمهورية، راقبوا ما فعله سمير جعجع، لسنا افضل منه، معاناتنا لم تكن يوما اكثر من معاناته ذاك المناضل الذي تحمّل وحمل هموم وطن بكامله فوق كاهله، وبشجاعة نادرة ذهب الى اقصى الحلول وتصالح مع نصفه المسيحي الاخر ليعيد الجمهورية الى الوطن.
لكم الخيار، اما ان تكونوا ساعداً يبني اسوار الجمهورية في وجه الاحتلال، واما ان تموتوا في الماضي وتكونون سواعد لتهدم قيم الجمهورية باسم الحقد، اختاروا، انا القواتية المتعصبة اخترت وكنت في ذاك القصر… سيدة وليس أقل.
