قضاة من تمر!
ماذا بقي من عمارة الدولة وهيبة مؤسساتها في هذا البلد السعيد؟
لم يبق شيء تقريباً. وهكذا لن يكون الآن في وسع اعضاء المجلس الدستوري ان يتنفسوا الصعداء ويذهبوا الى الاستراحة، بعدما ردوا امس الطعون النيابية الـ 19 المقدمة امامهم، لانهم وجدوا بعد درس كل ملف على حدة، ان ليس هناك اسباب تستوجب ابطال نيابات طعن البعض بها!
اليوم تبدأ حملة من الطعن السياسي تستهدف صدقية المجلس ونزاهته والحياد. وهي حملة كانت تباشيرها قد ظهرت في اليومين الاخيرين، بعدما نُشرت اخبار افادت ان المجلس سيرد الطعون التي قدمها اليه متضررون، بعضهم يرى القشة في عين خصمه ولا يرى العور في عينه، اتهموا 19 من الفائزين في الانتخابات بأنهم يستحقون إبطال نيابتهم لأسباب كثيرة اوردوها في بياناتهم المقدمة الى المجلس.
❑ ❑ ❑
واذا كان رئيس المجلس القاضي عصام سليمان قد رد امس على المحاذير التي اثيرت في اليومين الاخيرين بالقول: "ان لا علاقة للمجلس بالتوافق ولا بالخلافات السياسية وانه بنى قراراته على الوقائع وعلى الاسس القانونية"، فإن ذلك لن يغلق الابواب ولن يسكت الافواه، لأن اولئك الذين يملكون "العفة والعصمة" في المعارضة او حتى في الاكثرية، سيسوغون لأنفسهم الطعن بالمجلس واهله، لانه لم يستعر عقول الطاعنين ويتبنى وجهة نظرهم!
والطعن في رد الطعون كان قد بدأ استباقاً، من بعض الذين خسروا الانتخابات، لكنهم اصروا دائماً على رفع رايات الانتصار، رغم ان الارقام كانت ولا تزال تدحض وجهة نظرهم، ورغم انهم مضوا بعيداً في "المخالفات" التي يتهمون بها خصومهم.
في بلاد العالم، هناك حرمة للقانون ورجاله، اما في لبنان فلم تبقى حرمة لشيء او لهيئة او لسلطة في هذه الدولة. وعندما تصبح المؤسسات الامنية مثلاً موضوع تداول او بالاحرى تراشق له خلفيات وحسابات سياسية، وكيديات قديمة على ما يحصل في موضوع الامن الداخلي الآن، وعلى ما يمكن ان يطول حتى مؤسسة الجيش كما يوحي بعض "التسريبات"، لن يكون مستغرباً التعامل مع المجلس الدستوري وفق قواعد الجاهلية!
كيف؟
بعد بكائيات ومطالبات بقيام المجلس الدستوري بدأت بعد انتخابات عام 2005، شكّلنا بحمد الله سبحانه وتعالى مجلساً دستورياً، وثمة بالتأكيد من سيتعامل معه الآن بعد رد الطعون، كأنه آلهة من تمر يجب اكلها بالانياب!
نقول هذا الكلام، مع تأكيد حرصنا على الا يفهم اطلاقاً بأنه يشكّل دفاعاً عن عصام سليمان وزملائه، فلا هم في حاجة الى من يدافع عنهم ولا نحن الجهة الصالحة لمثل هذا الدفاع، وخصوصاً بعدما صار معظم اهل العدل في لبنان محامين وقضاة، لا يقرّون بوجود قضاء عندنا بل بوجود "قضاء وقدر"، نأمل ان يتمكن الوزير ابرهيم نجار من التغلّب عليه، ليصبح في الامكان الوقوف عند اول حرف في أبجدية الدولة!
❑ ❑ ❑
لا، لن يكون مستغرباً اذا انهالت التعليقات الطاعنة بالمجلس الذي رد الطعون، فنحن في دولة وصل الهوان بها او ببعض اهلها الى درجة الاصرار على لي ذراع الديموقراطية باستعمال عصا التوافق الغليظة والمؤذية، وهو ما أخّر تشكيل الحكومة خمسة اشهر، كانت كافية لوضع البلاد امام معادلة قاسية ومضرة:
اما الفراغ واما الرضوخ لشروط المعارضة في مسألة الثلث المعطّل وحتى في مسألة الحقائب والاسماء واعلانها حرصاً على احترام النص الدستوري!!
وبعدما وصلت مراهنة الرئيس سعد الحريري واصراره على قيام حكومة وحدة وطنية. الى مرحلة تسهيل الامور بعد التوافق بين السعودية وسوريا، وتم تشكيل الحكومة. ها نحن وسط معمعة من الجدال، الذي استغرق عشر جلسات حتى الآن، في اطار لجنة البيان الوزاري، الذي لا يريد له البعض ان يتسع ولو لعبارة، او بالاحرى لكلمتين تشيران الى مرجعية الدولة في مواجهة العدو الاسرائيلي باعتبارها مظلة ضرورية للجميع في التعامل مع العالم.
على خلفية كل هذا، لن يكون مستغرباً ان يتعرض المجلس الدستوري لموجة من الطعن، وهو الذي "تجرّأ" فردّ الطعون الـ 19، ولم يتأثر بالغضب الساطع ولا "بالايقونات الملائكية" في السياسة اللبنانية وما فيها من اقنعة شيطانية!