
“طيبين ميتين بدنا ياهم”. لطالما ردد رئيس جمعية “سوليد ـ لبنان” غازي عاد هذه العبارة وكأنه كان يدرك أن موعد الرحيل سيسبق محطة اللقاء ومواجهة أهالي المعتقلين والمفقودين في السجون السورية بتلك الحقيقة التي تؤكد على وجود 546 معتقلاً في السجون السورية. أو ربما كان يدرك بظلامية هذه الحقيقة فقرر حبسها بين أضلع رئتيه اللتين توقفتا عن وظيفتيهما، فسكت القلب الذي كان يستحق أن ينبض بعد حياة ونضالات في ذاك الصباح الخريفي. وكتبوا رحل غازي عاد.
بكلمة صرنا نتكلم عنك بصيغة الماضي بعدما كان الماضي ملفات موثقة بأسماء المفقودين والمعتقلين في السجون السورية، وكنت الحاضر في كل زمان ومكان تحت الشمس الحارقة وشتاء كانون… لا فرق عندك. المهم أن يصل الصوت المدوِّي الى المحافل الدولية… أما المستقبل فكنت تخطط له للوصول الى الحقيقة: “نعم نريد مفقودينا ومعتقلينا ولو رفاتاً، شاء النظام السوري أم لا، تحركت الدولة من باب رفع العتب أم لا. آن الأوان لوضع حد للسؤال: أين مفقودينا؟ أين رفاتهم”؟. هل وصلك الجواب اليوم؟
أمام الخيمة التي شيدتها أمام مبنى “الإسكوا” في نيسان 2005 مع أهالي المعتقلين في السجون السورية شموع وأزهار… هناك لطالما جلست على كرسيك المتحرك غير آبه بالعوامل الطبيعية… همك الوحيد معرفة مصير المعتقلين في السجون السورية. هناك كنت تجلس صامتاً وتقرأ في عيون الأمهات ألف سؤال وسؤال… ولطالما وددت لو تمسح دمعة أم أو أب معتقل عندما تنقل له خبر عودة إبنه من تلك السجون… وفعلتها أكثر من مرة. حتى الحقيقة المرة كنت مستعدًا لمواجهتها “إذا كانوا أمواتاً هل ننساهم؟ قد يكون هناك 545 معتقلاً توفوا لكن هناك واحد حي، وهذا يكفي لكسر مقولة أنهم صاروا رفاتاً”.
غازي عنادك كان يقزِّمنا، وصراعك مع الوجع الجسدي الذي خبأته عن أمك وشقيقك حتى لا تتأخر لحظة عن النزول الى الخيمة أو عقد مؤتمر صحافي تفجّر دفعة واحدة. أخجلتنا بعنادك وصبرك حتى آخر لحظة من عمرك القصير. لكن يكفي أنك رحلت وفي قلبك فرح الحب الذي كللته بزفافك مع شريكة عمرك ورفيقة أوجاعك.
غازي عاد بفرح نودعك ليس عملاً بالقول المأثور “ارتاح”، إذ من قال إن في الرحيل بالجسد تتحرر الروح؟ أما أنت فحتمًا ارتحت لأنك ستعانق الحقيقة في رحاب السماء. ستسقط عنك كل الأقنعة ولمرة واحدة وأنت تجالس أهالي المعتقلين والمفقودين الذين ودعتهم ذات يوم… ستمسك بيد أوديت سالم التي بكيتها في يوم رحيلها على أثر تعرضها لحادث دهس أمام خيمة “الإسكوا” وتشد عليها فرحًا… ومن يدري قد تكون جلساتك هناك مع كل المعتقلين. ويسكت الكلام.
غازي عاد بعد اليوم لن نسأل أين مفقودونا؟ أين رفاتهم؟ أنت قلت “لا وفاة من دون رفات”.
اليوم فلّ الحكي معك والجواب صار في عهدتك. لا تتأخر…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
