#adsense

إيلي الشويري حنجرة العنفوان المكلل بالحنان

حجم الخط

 

 

“ع الشمس لي ما بتغيب” حفر إسم بلاده بحروف من نور لمن إهتدى ونار لمن إعتدى… ويوم “دق الخطر ع البواب” كانت نغماته كسنابل القمح بوجه الغاصب حربة… لأهل الارض أشعل بالحانه ثورة “عمال وشعرا وفلاحين” كي يصونوا باتحادهم البلاد ولا يرضوا بظلم او استعباد… وناجاهم من عمق إنسانيته بالحب في ما يشبه صلاة مسكونية تتخطى الالوان والاعراق والمذاهب والحدود “يا ناس حبوا الناس الله موصي بالحب الحب فرح الناس يا ويلو لي ما بيحب”… وعاش معهم أسمى لحظات العمر المفعمة بنعمة الابوة والامومة وحاكى حيرتهم “صبي ولا بنت”… إنه إيلي الشويري حنجرة العنفوان المكلل بالحنان.

لا يكتمل عيد الاستقلال من دون كلمات أو ألحان أو صوت إيلي شويري، “صف العكسر رايح يسهر”، “تعلا وتتعمر يا دار”، “أسرج بالليل حصانك”، “زندك صخر بلادي الاسمر”، “سقط القناع”، “إعتز الارز”… ونهر من الاناشيد الخالدة في الوجدان الوطني. لذا وفي المناسبة، كان لموقع “القوات اللبنانية” الالكتروني جلسة مع إيلي شويري وبحث في خباياه عن الوطن والعشق والانسان.

إبن الاشرفية يسرح في كلماته ونظراته الى سحر بيروت مسقط رأسه ويخطفك معه. هناك حيث أبصر النور في 27 كانون الاول من عام 1939، في الحي الفوقاني قرب “مار متر”، هناك ضيعة في قلب المدينة. “ربيت ببيت، لا بقصر لانو كان عنا جنينة مليانة بجميع ما تشتهي شفتك ولسانك وعينك من خضرا وفواكه وزهور ومي. كانت البيوت نصفها خشب ونصفها باطون، لكل جنائنه، الواحدة تحاكي الاخرى. كان بيي عاملنا عرزال نمضي فيه الصيف وهو كاشف ع كل بيروت قبل ما تجتاحها غابة الباطون والمباني العالية. هون كان عالم طفولتي يلي طبع شخصيتي، لو خلقت بمكان اخر لاختلفت شخصيتي…”.

في تلك الازقة ركض ولعب وتشرّب حب الوطن، “كنت اردد في عمر الخمس سنوات صف العسكر طالع يسكر ببحمدون، ومنها ولد نشيد “صف العسكر طالع يسهر مع العسكر فوق جبال”. اوفق بالاغاني الوطنية لانها نابعة من عمق أعماقي، اعكس احاسيسي التي احملها معي من بيتي ومن تلك الحديقة ومن شوارع بيروت ومن صوت المآذن ومن اجراس كنائسنا حيث كنا نعيش الفرح. انا مش اشطر من غيري بس ما بكذب بس كنت اكتب عن الوطن”. حوادث 1958، فجّرت فيه بركاناً من الوطنية بصماته حاضرة بقوة في حياته الفنية، يقول الشويري: “حرب 58 طبعت فيي واعطتني دفعاً وطنياً اكبر، كنت اتجول ليلاً في شوارع العاصمة وأراقب بحسرة، وما ان كبرت قليلاً حتى اندلعت حرب الـ 1975، لولا هذه الحروب لكنا اهم من اوروبا…”.

يحن إيلي الشويري الى تلك التينة في جنينتهم وهو يتعمشق ليقطفها، والى جيرة دير “راهبات اللعازرية” الذي كان يعرف بـ”دير الحارة”. كانت الرياضة حاضرة بقوة في طفولته، حيث كان يهوى كرة السلة ويقصد ملعب الـ enb مكان مجمعabc  اليوم، وكذلك كرة القدم وملعب نادي “السلام”  البيروتي قرب “زهرة الاحسان” شاهد على ذلك. لكّن ولعه بالفن كان يطغى على ما عداه.

“بيي كان يجب الكيف والطرب، يومها ما كنت وصلت الكهربا، كان عنا فونوغراف ويحط عليه ام كلثوم وعبد الوهاب وفريد الاطرش وصالح عبد الحي، وكان يستهلك كتير إبر… رزقالله.  كان خالي مقصد للناس واهل الفن من مغنين وملحنين وشعراء وعازفين وشريبة كاس، وبينهم وديع الصافي، كنت اسرق الوقت لأجالسهم، كنت في العاشرة حينها سمع صوتي وديع الصافي. رزقالله ع هاك الايام، كنت اتحجج اني عم اخدمهم لإستمتع بتلك الجلسات. كانت ايام ما فيها هم ما فيها مشاكل. من طفولتي كنت ادرك ان الله انعم علي بصوت جميل، ولكن ما كنت ربّح جميلة حتى ما كل حدا يقول لي سمّعني شوي…”، وحين تسأله إن كان “غنوج البيت” وهو صغيره بعد شقيقين وشقيقتين، يجيب: “لم أكن بغنوج بل محبوب لدى أمي وابي رحمهما الله”.

لم يكن يخطط لأن يكون فناناً، شاءت الصدف أن يسافر نقاهة الى الكويت بعدما سقط مرةً من على دراجته النارية وأصيب بيده. هناك وبينما كان يعبر أحد الشوارع، قرأ لافتة كتب عليها “دار الإذاعة الكويتية” دخل وطلب اجراء تجربة صوتية. “التطليعات انا وفايت إختلفت عن انا وضاهر. وصرت احيي حفلات خاصة”.

رفيق عمره العود وكاتم اسراره، تعرف اليه في الكويت حيث بدأ يتعلم العزف ويتردد الى دار الاذاعة وينام هناك مستفيداً من المكيف. ويبوح عن اسرار هذه العلاقة حين يغني “يا حنون يا رفيق بحياتي يا مخبي دمعي واهاتي لو تقسى ع حالي الدنيا مين غيرك يسمع حكاياتي…”.

من “مهرجانات بعلبك”، كانت الانطلاقة عام 1963 في مسرحية “الشلال” لروميو لحود، “كانت الصبوحة ووليد غلمية وكان لي الحان بتشجيع من توفيق الباشا يومها. كان لبنان صغير وبيروت اصغر وكان الجو متاح إلي، فنانين وشباب وصبايا وراقصين، بعدها فتح روميو مسرح وتعرف على سلوى القطريب بنت الحي كنا جيران. كانت بيروت ام المسارح. بعد بعلبك انضميت لكورس “إذاعة الشرق الأدنى” و”الإذاعة اللبنانية” وتعرّف إلى إلياس الرحباني. وبيوم من الايام، بيجي بيقلي عاصي ومنصور حابين يتعرفوا عليك وهيك بلش مشواري مع الرحابنة وفيروز وتعرفت على صبري الشريف. وكان اول دور عطيوني ياه “فضلو” بمسرحيّة “بياع الخواتم” عام 1964″ واول غنية “وصلوا الحلوين”.

“مع الرحابنة، بتبقى ساكن بقلب الاغنية وقلب الشعر والنغمة واللحن. شعرت بالانتماء معهم الى عالم الفن الراقي وتعرفت ع زكي ناصيف. في هذه الحقبة كان الفن اللبناني يتعاظم. كنت على معشرهم اتخمّر تدريجيا، شعرت انو جوهم اكبر مني لكن عاصي رحمه الله اصر على بقائي وبعدها بلشت في مسرح “البيكاديلي”. صرنا اهل وعيلة وحدة، بهالسنوات الخمس شاركت في مهرجانات لبنان من بعلبك، بيت الدين، الارز الى صور وصيدا. ومعهم سافرنا ع كل الارض، ولاحقا صقلت الموهبة بالعلم في الكونسرفاتوار”.

“صرلي اتزوج بالمكسيك وباميركا وما تزوجت لاني كنت احبها”، ويغص ايلي الشويري حين يتكلم عن حب حياته عايدة ابي عاد، “تعرفت ع بنت الحلال التي اصبحت زوجتي عام 1964 ورزقنا 3 بنات نيكول وكارول وسيلينا. الفنان يتعامل مع الخلق ويصبح من تحبه جزءا من عالم الموسيقى لديك، تزوجتها وسافرت الى الخارج في مسرحية “هالة والملك”. زوجتي كانت سندي الاساسي في حياتي الفنية. لعبت الادوار كلها ولها يعود كل الفضل. بين اني اعمل فنان وموت من الجوع كان خيار صعب. رحلاتي كانت عذاب، ما ان تبدأ الامور المادية بالتحسن وتأتي الرزقة حتى اشتاق الى امرأتي وعائلتي فاعود… عشت صراعا بين اختيار الفن او العائلة. زوجتي كانت تقدر النعمة التي منحني اياها الله، فأصرت على ان تكون سندي في مشواري. الفن لم يكن كريماً بالمادة اول خمس سنوات كنا نعيش بالدين، وهي صبرت معي الله يرحم ترابها”.

“يا ناس حبوا الناس” الاحب على قلبي في كل مسيرتي الفنية، و”بكتب إسمك يا بلادي” تؤكد ان عشق الانسان لارضه لا يختلف في الزمان والمكان، اكيد بخاف على لبنان متل ما بخاف على ولادي ، صرنا ع الاخر هيدي الحقيقة، بس لو بترجع الايام بكرر نفس الخطوات…”، بهذه الكلمات يختم اللقاء ايلي الشويري، ويترك في مخزون الذاكرة صور بيروت الجميلة والفن اللبناني الاصيل الذي يشكل أحد دعائمه وكثير من الحنين الى الوطن والثورة والحب وكرامة الانسان المهدورة في زمننا.

 

 

 

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل