
على مقعد حديدي يعلوه فراش من الإسفنج جلس حسين يوسف والد محمد العسكري المخطوف لدى تنظيم “داعش” محمد يراقب الإستعراض العسكريفي عيد الإستقلال الـ73. عيناه شاخصتان إلى الشاشة الصغيرة وكأنه ينتظر رؤية محمد يسير مع رفاقه في الإستعراض ويؤدي التحية للعلم اللبناني. حسين لا يريد أن يصدق أنه ليس بينهم،وليس وحده. فاهالي رفاقه العسكريين الثمانية ليسوا افضل حالا ولا أكثر تفاؤلا. “صاروا سنتين و3 أشهر و26 يوم… عم بعدنبالإيام والدقايق والثواني”… نعم إلى هذا الحد اشتاق حسين يوسف ونظام مغيط وأم حسين وسواهم من اهالي العسكريين المخطوفين لدى “داعش”إلى رائحة اولادهم العسكريين، اشتاقوا إلى دعساتهم ورائحة التراب العالقة على بذاتهم.
ذاك اليوم وجه اهالي العسكريين المخطوفين سؤالا “أيا استقلال عم تعيدوا وولادنا ولاد مؤسسة الجيش بالأسر”؟ هم انتظروا عامين و3 أشهر وقرروا ان يعطوا العهد الجديد فرصة لفتح كوة ولو صغيرة في الملف. لكن وجعهم لن يصمد طويلا قبل أن يعرفوا مصير أولادهم.
قبل ايام وقف حسين يوسف ونظام مغيط مع اهالي المعتقلين والمفقودين في السجون السورية في وداع رئيس جمعية سوليد غازي عاد واستعادا معا جلساتهما مع غازي والأهالي او من بقي منهم على قيد الحياة. فالعابرون إلى العالم الآخر صاروا كثرا. عبروا من دون ان يعانقوا اولادهم الذين انتظروا عودتهم من المعتقلات السورية، ولعلهم اليوم يجلسون معهم ويروون لـ غازي حكايات الوجع والعذاب الذي استفز الحجر من دون ان يحرك مشاعر المسؤولين في الدولة اللبنانية. للحظات فكر حسين ونظام بمصير العسكريين المخطوفين لدى تنظيم “داعش”. حاولا ان يطردا من رأسيهما فكرة ان يتكرر نفس المشهد ونفس السيناريو مع اهالي العسكريين وتحديدا في الخيمة التي نصبوها في منطقة رياض الصلح. ودّعاه مع الأهالي وحمّلاه أمانة، ان يرافقهم من فوق بصلواته ويكون الصخرة التي عليها اتكأ اهالي المعتقلين في السجون السورية.
عاد حسين إلى الخيمة التي صارت توأم عمره المخطوف مع ابنه محمد، ليجلس مع دخان سيجارته التي حفرت على اصابعه اثلاما، عاد ليحاكي صدى الصمت الموجع في تلك الخيمة التي لا يحرك سكونها دعسة مسؤول او سياسي. وحدهم المواطنون العابرون يدخلونها احيانا لتفقد اهالي العسكريين والجلوس معهم، علهم بذلك يسرقون من حزن حسين ومضة، ويخففون عنه سواد العمر المرّ الذي كحَّل مقلتيه.

عيد الإستقلال الـ73 أيقظ الكثير الكثير من الملفات والذكريات في نفوس اهالي العسكريين المخطوفين لدى تنظيم “داعش” ولعل أبرزها تقاعس الدولة والمسؤولين عن فتح ولو ثغرة في ملف اولادهم المطمور تحت أنقاض ملفات سياسية وأمنية وإجتماعية وإقتصادية. مشهد الإستعراض العسكري استفز مشاعرهم على رغم إيمانهم وقناعاتهم بإيجابيات العهد مع انتخاب رئيس جديد للبلاد. فيوم خطف اولادهم كان الفراغ متربعا على كرسي بعبدا. اليوم عادت الحياة إلى قصر بعبدا لكن الخيبات التي حصدوها على خلفية تقاعس المسؤولين وتحديدا حكومة عهد الفراغ عمّرت جدرانا من الإسمنت فوق الآمال التي يفترض ان يتحصنوا بها. ولم يبق امامهم سوى الإيمان والرجاء.
ذاك اليوم أصر حسين ان يحضر إلى الخيمة. وحيدا جلس مع الصور على مقعده الحديدي كما العادة. وحدها ركوة القهوة وسيجارته كانا يخرقان وحدته وصدى ذكرياته. في الخارج الإحتفالات بعيد الإستقلال تمزق مشهد الفراغ الذي اجتاح البلاد منذ عامين ونصف العام. لكن حتى هذا المشهد العامر بالفرح ورهبة استعادة الدولة كرامتها لم ينتشله من فراغ الإنتظار الطويل لولده العسكري المخطوف منذ 2 آب 2014. “الفرح الحقيقي يوم رجوع محمد ورفقاتو وإلا راح يبقى بعيد عنا بُعد الأرض عن السما”.
في تلك الخيمة يعدّ حسين الأيام “صارو سنتين و3 اشهر و26 يوم (حتى تاريخ الجمعة 25 تشرين الثاني) عم بحسبن بالإيام والدقايق والثواني”. بالنسبة اليه الزمن صار رهنا بالأيام التي يعيشها بعيدا من إبنه.لكن ماذا عن الحياة والقلب الذي ينبض في انتظار لحظة عودة إبنه محمد؟ “الأمل مفتوح ومشرّع على كل الإحتمالات لا بل إنه يتضاعف ويتفوق على كل الوساطات ومن يدير دفة ملف العسكريين المخطوفين في الإتجاه السلبي والخاطئ”. لكن هل يكون هذا الأمل مبنيا على معلومات؟ يجيب حسين بصوت لم يعد يصدح إلا بإسم محمد” إيماني مبني على إحساس الأب والأم وعلى الله الذي يعزز فيَّ هذا الإيمان ويمدني بالقوة . حتى اللحظة لم يخطر ببالي أن محمد ما عاد موجودا بالجسد ومن خلال تعاطينا مع الخاطفين صرنا نعرف إنو تنظيم “داعش” ما راح يخفي عملية إعدام لأي عسكري مخطوف. وطالما بعد ما طلع ع الإعلام أي خبر مماثل لا سمح الله وما وصلتلنا اي معلومة بهالشأن فهيدا بيعززلنا إيمانا أكتر وبيأكدلنا إنو ولادنا بعدن عايشين”.
لكن يبقى الخوف من أن يدفع العسكريون ثمن صفقة ما ويكونوا وحدهم الضحية لمرة ثانية “كل ما نفتح عيوننا منشكر ربنا إنو بعد ما وصل خبر إعدام حدا من ولادنا بس الخوف عايش معنا كل لحظة ويكون مصير ولادنا متل مصير الشهيدين محمد حمية وعلي البزال. لهيك اكثر شي فينا نقولو اليوم كتر خير ربنا إنو بعدن عايشين. بس كيف؟ هون السؤال اللي بيوجع”.
إيمان حسين يستفزه يومياً ويحمله إلى خيمة اهالي العسكريين في منطقة رياض الصلح ويسمّره لساعات وساعات على مقعد حديدي غير آبه بشمس آب ولا بثلج كانون. لكن إلى جانب هذا الإيمان ثمة حراك على الأرض يقر به حسين على رغم النتائج التي لم تثمر حتى اللحظة عن اية نتيجة: “نحن نثمن المساعي التي قام ويقوم بها المفوض الرسمي بإسم حكومة تصريف الأعمال اللواء عباس ابراهيم “بس إيد واحدة ما بتزقف”. هناك اتصالات تجري عبر بعض الوسطاء لكن، يا للأسف، لا احد استطاع أن يحدث خرقا في هذا الملف ونأمل من الأجواء الإيجابية التي فرضها انتخاب الرئيس العماد ميشال عون ونعوَل على ضمائر المسؤولين باتخاذ قرار مستقل لإعادة فتح ملف العسكريين المخطوفين لدى تنظيم “داعش” وعدم التلهي بأعصابنا وأرواح اولادنا المنسيين فوق في الجرود الباردة”.

صرخة أهالي العسكريين التسعة في يوم عيد الإستقلال وصلت إلى حيث يجب أن تكون.”العروض العسكرية بعيد الإستقلال بتضل شكلية على رغم اهميتا لأنو ولا إم أو بي او إبن قادر يعيش الفرحة بهاليوم الوطني وإبنو مش بحضنو”. تلك الصرخة التي خرقت آذان المسؤولين أحدثت خرقا ولو بسيطا في ملف العسكريين المخطوفين لا سيما في ظل الآمال المعقودة على انطلاقة العهد الجديد. وهذه الآمال تضاف إلى المخزون الذي يتسلح به أهالي العسكريين المخطوفين لا سيما بعدما شاهدوا رفاقهم العسكريين الـ16 الذين خطفوا معهم لدى “جبهة النصرة” أحرارا في الأول من كانون الأول 2015. إلى تلك اللحظات يعود حسين “بعترف إنو ما عشت صراع بحياتي متل هالنهار. كنت مخنوق وراح إنفجر وبالوقت نفسو فرحان بمشهد عودة العسكريين لأهلن وغمرة كل إم لإبنا اللي رجعلا بعد سنة و4 اشهر. كنت عم بضحك وإبكي بنفس الوقت و تخايلت محمد بيناتن أوحلمت إنو يكون معن. لهيك فكرت اكتر من مرة إنو إنسحب حتى ما نغص علين فرحتن”. بالنسبة إلى حسين وباقي الأهالي هذا المشهد كان كفيلاً بفتح طاقة امل في قلوبهم بعدما وضعتهم الدولة على حافة الإستسلام” اللواء عباس ابراهيم قام بالواجب ومشكور بس ما بفهم كيف ممكن لدولة تنام قريرة العين وفي 9 عسكريين مخطوفين لدى تنظيم إرهابي. الدولة وحدا مسؤولة عن كشف مصير ولادنا ونحنا منحملا المسؤولية”. ولفت حسين يوسف في هذا الإطار أن المواقف السياسية التي برزت في بداية معركة عرسال والسجالات التي فرضت نزول الأهالي إلى الشارع وصولا إلى مرحلة المفاوضات والمقايضة والإختلاف في الرأي حول هذه النقطة كل هذا أدى إلى فقدان الثقة لدى الجهات الخاطفة… ووحدن ولادنا العسكريين دفعوا الثمن”.

عندما خطف محمد يوسف كان عمر إبنه نحو الشهرين. اليوم صار عمر حسين سنتين وصاريسأل أمه عن سبب غياب والده الدائم عن البيت. “كل يوم بخبرو قصة بيو البطل وفجأة بيبلش يطلب من رب العالمين إنو يرجعو ع البيت. وبس أغمرو بشم ريحة محمد وبحس إنو عايش بداخلو وهيدا اللي بيعزيني”. غصة وحيدة وكبيرة تلف قلب حسين عندما يتذكر كيف تردد في زيارة إبنه محمد مع الأهالي بعد أربعة أشهر على خطفه مع رفاقه العسكريين: “ما رحت حتى ما يحملوني شي وكون عاجز عن تحقيق مطالبن. خفت، بس مش على روحي وحياتي. خفت ع محمد. وبس رجعت إمو اللي بتنام ع دموع وبتصحا على دموع وتضرعات لربنا وخبرتني إنو محمد حملا سلام خاص لإلي وإنو كان ناطرني وما توقع إنو ما إجي بحس بغصة كبيرة. بس انا راح تمم الأمانة اللي حملني اياها وتابع الملف حتى لحظة تحريرو مع رفقاتو من الأسر”. نسأل عن الآمال التي يعقدها على العهد الجديد وهل سيزور القصر الجمهوري لتهنئة الرئيس العماد ميشال عون ويجيب حسين:” نحنا متأملين بالعهد الجديد مع إنو المعطيات ما بتبشر بالخير.وما راح قللو للرئيس العماد عون مبروك قبل ما يعمل خرق بملف العسكريين لأنو بدي هنّيه من قلبي”.
غصة حسين تقابلها خيبة وغضب ونقمة من قبل بعض الأهالي الذين انتظروا ولو اعتذارا من الدولة اللبنانية التي اسقطت من حسابها كشف مصير ابنائها العسكريين المخطوفين لدى تنظيم “داعش”. نظام مغيط شقيق العسكري ابراهيم أحدهم” كان الأجدى بالدولة أن تقدم ولو اعتذارا لأهالي العسكريين وتعترف بعجزها بدلا من التعتيم على الملف وحفاظا على ماء الوجه”. نظام الذي زار شقيقه مع والديه لا ينفك يفكر بالمشهد الذي رأه فيه “ابراهيم كان عم بيبوسلنا إيدينا ويحاول يفهمنا إنو هوي منيح. بس انا بعرف ابراهيم نظراتو ودموعو كانت كافية حتى تأكدلي إنو تعرض للتعذيب النفسي والجسدي. وبس رجعت قطعت على نفسي عهد إنو ما راح إتخلى عن القضية وراح تابع الملف لو شو ما كلف الأمر حتى لو وصل الأمر إنو ضحي بحياتي .مش فارقا معي . أصلا حياتي تركتا فوق بالجرد مع خيي ابراهيم وقت فلتت صابيعي من إيديه ورجعت مع أهلي. أكيد رحمة ربنا أوسع من رحمة وعدالة المسؤولين بهالدولة”.
موسيقى التعظيم تعزف لحن الشهداء. حسين يخفض صوت التلفاز. “محمد بعدو عايش وراح يرجع هوي ورفقاتو”.يردد بصوت خافت. وحده نظام مغيط يعيش حالا من الغضب والخيبة “يمكن نلتقي فوق”.. ويصمت. لكن صمته لن يطول وإن كان سيعطي مع اهالي العسكريين المخطوفين فرصة للعهد الجديد. لكنها حتما لن تكون طويلة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
