كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1591:
هو ليس بكاتب ولا بروائي ولا بإعلامي. هو إنسان استفزته الحياة فقرر ان يعجنها في مخبز الإرادة والتحدي والصلابة.
هو ليس بطارئ على الحياة ولا بمتنكر لأشواكها وعثراتها وعبثيتها ولا بمتطفل على الكلمة التي اعتنقها تعويذة في مشوار العمر بعدما صقلته الحياة فصارا توأما في رحم دروبها.
هو اللبناني وحتى آخر رمق من عمره. لبناني حتى العظم على رغم غربته الطويلة وكل أفراد عائلته عن الوطن. لبناني لأنه منذ اللحظة التي صار فيها معلقا في الفضاء هربا من وطنه الذي كان يحترق بنيران الحرب عام 1976، قرر أن يعود ذات يوم إلى قريته “بمكين” في سوق الغرب ويحول بيت الأهل الذي أوصته به والدته قبل انتقالها إلى عالم لا وجع فيه ولا بكاء إلى مكان يضج بالحياة من جديد، ويجعل الكاراج الذي ولد فيه، من دون أن يتردّد في المجاهرة بذلك، صومعة صلاة وتأمل. وفعلها أنيس وديع نصار، لا بل أكثر.
فذاك الصبي أنيس وديع نصار صار المهندس الذي أسس شركته الهندسية في سلطنة عمان و”مجموعة أنيس نصار” في دبي وعضوًا في مجلس أمناء جامعة البلمند وأحد مؤسسي فرعها في سوق الغرب…
وحتى لا تمحو الذاكرة سيرة عمر مجبول بالتعب والقهر والدموع والنضال الطويل كان القرار في سكب عصارة هذه الرحلة في كتابه “رحلتي من سوق الغرب، إلى الشرق والغرب” الذي وقعه في أيلول الماضي في جامعة البلمند في سوق الغرب والمشوار يكمل مع مولودين أدبيين جديدين الأول باللغة العربية والثاني باللغة الإنكليزية.
أنيس وديع نصار. إحفظوا الإسم جيدا لأن الرحلة لم ولن تقتصر على الشرق والغرب. الرحلة بدأت من سوق الغرب وفيها ستكتمل الحكاية.
الأحد 4 ايلول 2016 كان أنيس نصار على موعد شكل محطة لا بل علامة فارقة إضافية في حياته. إنه يوم توقيع مولوده الفكري الأول: “رحلتي من سوق الغرب إلى الشرق والغرب”. مع ساعات الصباح الأولى ورده اتصال من قريب ينبئه أن توقعات مصلحة الأرصاد الجوية تفيد بأن هذا اليوم سيكون ماطرا. فرد بسؤال: “ماذا يعني؟”. قالوا: “هذا يعني أنك ستوقع كتابك تحت المطر (حفل التوقيع كان في باحة جامعة البلمند في سوق الغرب) وستسلم مدعويك كتابا مبللا بالمطر. وعندما اعتلى المنبر استهل أنيس نصار كلمته بالإتصال الصباحي لكنه احتفظ بالجواب ليتلوه أمامهم وقال: “يا إخوتي إن كتابي ورحلتي ومسيرتي هي أصلا مبللة بل منغمسة ومتعمّدة بالدم والعرق والدموع. فما بالي من بضعة قطرات من رذاذ أيلول”.
لعل أنيس نصار اختصر أو أراد ان يختزل ما سكبه من رذاذ العمر في كتابه عندما اعتلى المنبر في جامعة البلمند التي افتتحها في سوق الغرب قبل أعوام. هو المهندس في قطاع المقاولات في الإمارات العربية المتحدة وصاحب الأيادي البيضاء في تأسيس جامعة البلمند في سوق الغرب ورئيس مجلس الأمناء في أميديست. لكن هذه المرة الحكاية تختلف وإن كانت لا تزال تمشي على نفس السكة. ومن هنا تبدأ الرحلة.
عندما قرر نصار أن يجمع عصارة عمره في كتاب عاد إلى بيته في سوق الغرب، إلى نفس المكان الذي ولد فيه وترعرع. حمل القلم الذي هجره منذ زمن بعيد واستبدله بعدة الهندسة وبدأ فعل الكتابة. لم يعرف في البداية لماذا يكتب، ولا من أين يبدأ. الأفكار تتصارع في رأسه وزحمة الذكريات عطلت عليه القدرة في البداية على ترتيب المحاور وكان ذهنه مشوشا. وما أن نظر إلى ذاك الوادي من على شرفة بيت الأهل، بيته أدرك سر اللغز: “أريد أن أكتب لأن ثمة دينا عليّ ان أفيه لعائلتي وأهلي ومنطقتي وبلدي”. قالها أنيس نصار تمهيدا لتعريف القارئ، وري ظمأ حشريته خصوصا أن الكاتب مهندس ورجل أعمال وصاحب شركات و… مغترب، هو الذي لم يتخيل يوما أن ظروفا ستجبره على مغادرة بلدته “سوق الغرب” وبلده لبنان.
وجوده في ذاك البيت العائلي الذي استغرق ترميمه حوالى 11 عاما سمح له بالعودة في الزمان والمكان إلى اللحظة التي أبصر فيها النور من المرآب حيث كان يركن والده سيارته. كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرا في 6 تشرين الأول عام 1951. استقل والده وديع السيارة وتوجه مسرعا إلى منزل القابلة القانونية تمام معاصري في بلدة “عاليه”. وفي تمام الرابعة والنصف أبصر أنيس نصار النور في كاراج البناية المؤلفة من ثلاث طبقات حيث كان والده يعمل على تأجير طبقتين منه وتمضي العائلة فترة الصيف في الطبقة السفلية. لكن تعثر أحوال العائلة ماديا دفع الأب إلى تأجير الطبقات الثلاث فسكنت العائلة في المرآب لكن لمدة 3 أشهر فقط. وفي تلك المدة الزمنية ولد أنيس “كان أهلي وإخوتي يعيرونني على سبيل المزاح”، “أنت إبن الكاراج”. فأجيبهم: “ليس لدي مشكلة”.
لم يكن همّ أنيس نصار إبراز سيرته الذاتية في هذا الكتاب “ما أحاول تبيانه هو سيرة عائلة ومنطقة وبلد”. في سيرة العائلة يروي أنيس حكاية الكفاح التي بدأت مع والده وديع: “جاء من خلفية فقيرة بسبب الحرب العالمية الأولى فكافح مع إخوته للعيش ولم تكن لديهم القدرة على تحصيل العلم. وخلال عمله كسائق أجرة تعرف إلى والدته سعدى رشيد خلف فتزوجا وأنجبا رشيد ويولا وميلاد وأنيس وسامي الذي ولد يوم عيد الشهداء في 6 أيار 1945 وخطف على يد أربعة مسلحين ملثمين عام 1976 حيث اقتادوه مكبلا من بيته أمام عيني والديه. كان متوقعا أن يمكث سامي مدة ساعة أو ساعتين للتحقيق معه على غرار ما كان يحصل في ذلك الوقت ويعود”. ويضيف نصار في ذلك الفصل الذي اختصر عنوانه بعبارة “الكارثة”: “لحظة الإختطاف ارتمت والدتي على الأرض طالبة من المسلحين ترك ابنها الشاب. كان سامي في الثلاثين من عمره. وبعد ساعتين على اختطافه توجه والدي إلى مركز الحزب التقدمي الإشتراكي في “عاليه” ليسأل عن ولده لكنه لم يتوصل إلى أي جواب. حاول القيام باتصالات مع الأحزاب والمنظمات الفلسطينية لكن من دون نتيجة أيضا”.
عندما خطف سامي كان أنيس في عمان ورشيد في الولايات المتحدة الأميركية وميلاد في المملكة العربية السعودية. لم تشأ العائلة ان تخبر أنيس بنبأ اختطاف شقيقه ظنا منها أن الخاطفين سيخلون سبيل سامي خلال أيام “إذ لم يخطف أحد قبل ذلك ويقتل. كان القتل يمارس بإطلاق النار فورا على المخطوف كما حصل لأستاذي في الجامعة الأميركية روبير خلف وأنطوان أضباشي وغيرهما”. وحدهما وديع وسعدى نصار كانا يعدّان اللحظات والثواني ويهبّان عند سماع دعسات في الخارج أو عند اقتراب سيارة من البيت. مر الوقت ثقيلا وثقيلا جدا، وكانت الوعود تنهال على العائلة، ومنهم من يأتي لطلب المال بهدف المساعدة: “كان والدي يمدهم بالمال على أمل أن يعودوا معه في المرة الثانية. فتقوم والدتي وتبدأ بتحضير الحمام ليكون جاهزا عند وصول سامي، بالإضافة إلى الأطباق التي كان يحبها. إلا ان سامي لم يعد. اختفى سامي واختفى معه حلم عائلة آمنت بهذا البلد على مدى العمر والأيام.

بعد ستة أشهر على خطف سامي وصل الخبر إلى أنيس. ما كانوا يريدون أن ينقلوا إليه الخبر المحزن وهو في الغربة. أو لعلهم كانوا يخشون أن يعود إلى لبنان وينخرط في جو الأحزاب للإنتقام من قاتلي شقيقه. نعم قاتلوه لأنه على رغم الأمل الذي كان ينعم به أشقاؤه وتصديقهم الخبرية التي نقلت عن إمكانية وجود سامي حيا بعد مرور 6 أشهر على خطفه إلا ان أنيس كان على قناعة بأنه قتل “لكن لا نعرف من قتله ولأية علة قتل”.
هاجر وديع وسعدى الى الولايات المتحدة بعدما فقدا وباقي أفراد العائلة الأمل من عودة سامي حيا يرزق. لكن سعدى لم تذق ليلة واحدة طعم النوم في الغربة على رغم الأدوية المهدئة. ويروي نصار: “أمست مدمنة على التدخين وهي التي لم تدخن يوما… كنت أرى الموت يدهمها شيئا فشيئا”. وبعد 6 أشهر على عودتها إلى لبنان كان القدر في انتظار أم رشيد. كان ذلك في ليلة 31 كانون الثاني عام 1981: “كنت جالسا مع أخي رشيد في مدينة ألباسو نتناول العشاء معًا ونحتسي كأسًا. رن جرس الهاتف. كان على الخط شاب يدعى خضر معتوق من بيروت. سألته: هل حدث مكروه مع والدي؟ قال: “إنها والدتك توفيت. البقية في حياتكم”. سقطت السماعة من يدي وارتميت على الأريكة. كانت صدمتي أصعب وأكبر من صدمة اختفاء شقيقي سامي الذي خطف وقتل. والدتي ماتت قهرا… أمضيت 3 أيام في المستشفى خضعت في خلالها للفحوص وأصبت بنوع من الإنهيار. حقدت على لبنان وعلى كل من تسبب لنا وللعائلة بهذه المأساة. وفي الأول من شباط 1981 أقيم الجناز لراحة نفسها في كنيسة دير القديس جاورجيوس في سوق الغرب ودفنت في مدافن العائلة ولم يستطع أحد من أولادها الحضور. لكن أنيس أصر أن يعيش ويتذكر تلك اللحظات: “طلبت من بعض الأصدقاء أن يأخذوا بعض الصور بثوبها الأبيض داخل النعش فلّبوا الطلب. وفي كل سنة وتحديدا كل 31 كانون الثاني أعود إلى تلك الصور وألقي عليها التحية ثم أعيدها إلى الظرف وأضعه في حقيبة يد كان أخي سامي يحملها وقدمها إلي الى جانب قصاصات ورق من الصحف التي كتب فيها عن خبر اختطافه والإعلان عن وفاة والدتي بالإضافة إلى رسائل من سامي وأخرى من والدتي كانت تصلني باستمرار خلال وجودها في لبنان او في الولايات المتحدة الأميركية والتي عبّرت فيها عن مأساتها التي عاشتها بعد خطف سامي وقتله وتشتت العائلة في المهجر”.
رحلة أنيس نصار كانت مغمسة بالوجع والكثير الكثير من الإنكسارات لكن قراره كان واضحا منذ تلقى أول صفعة في الحياة مع خطف شقيقه سامي وقتله وموت والدته بحسرتها من دون أن تسمح له ظروف الحرب المشاركة في صلوات رفع البخور وحمل نعشها وإلقاء النظرة الأخيرة عليها. حتى والده الذي استمر في خدمته ورحل بدوره بحسرته لكنه على الأقل سمع منه كلمة “شكرا يا ولدي”. لكن أنيس قرر ان يسامح من دون ان ينسى” فالنسيان يعني تكرار المأساة لكن الثأر لن يعيد سامي سامح الله من قتله”.

من سيرة العائلة إلى حكاية الوطن ومشكلة الطوائف والعبر التي اقتنصها من هذه الحرب العبثية ودور لبنان في المنطقة وعلاقته مع الدول المحيطة به والعالم وصولا إلى مرحلة النضال في الجامعة الأميركية والتظاهرات التي خاضها ضد اليسار والبندقية التي حملها دفاعا عن الأرض والشرف والكرامة تقلب صفحات الحكاية. أما النجاحات التي قطفها أنيس نصار من خلال تحصيله العلمي والمعرفة استثمرها في مجال اختصاصه حيث عمل كمهندس مدني في إحدى الشركات الهندسية في سلطنة عمان ليؤسس بعد عشرة أعوام شركته الهندسية الخاصة وتصبح إحدى أهم الشركات العاملة في عمان. وفي العام 1996 انتقل إلى إمارة دبي حيث أسس “مجموعة أنيس نصار” وهي مجموعة شركات هندسية وزراعية.
ومن سيرة العمل والنجاحات إلى العائلة التي أسسها مع زوجته دارا أبو زينة وأولادهم الثلاثة ناتاشا وألكسندر وجانين هنا. لكن الوطن بقي في البال في الذاكرة فقرر أن يعود ليرمم البيت بناء على وصية والدته: “نحن أبناء هذا البيت وأبناء هذه المنطقة وأبناء هذا الجبل ولا بد للإخوة أن يجلسوا يوما كما كانوا في السابق على طاولة واحدة وفي صف واحد ومدرسة واحدة”. وعام 1995 بدأ بترميم البيت في سوق الغرب بعدما اشترى الحصص الموزعة على إخوته واستمرت عملية الترميم 11 عاما وأطلق عليه اسم “دار المحبة” تأكيدا على أنه بالمحبة وحدها يمكننا دفن الأحقاد. ولم ينس وصية والدته: “سنة الستة وتلاتين هالصرح انبنى، وبيي وديع فيه اعتنى، وبالحرب بيتنا صفّى رماد لما القهر والظلم علينا جنى، وقالت إمي بوصيكم يا ولاد، ما بدي بيتنا يهوي ع الفنا، ولما المحبة رجعت ع البلاد، رجعنا وعاد تعمّر بيتنا، ووصيتك يا إمي حملتا أنا”. فحفرها على جدران غرفة الطعام التي كانت بمثابة الغرفة الزوجية لوالديه.
من سوق الغرب خرج أنيس نصار ذات يوم هربا من فظاعة الحرب وعبثيتها كما يصر على توصيفها، وإلى سوق الغرب عاد لينشر العلم والمعرفة هو الذي تبوأ منصب عضو في مجلس أمناء جامعة البلمند قرر ان ينشر العلم وان يحظى أبناء سوق الغرب بالعلم فكان ان طرح مشروع تشييد فرع لجامعة البلمند في سوق الغرب وبفضل الأيادي البيضاء وتعاضدها تم تشييد مبنى الجامعة وفي 23 تموز عام 2010 تلألأت سوق الغرب بعرس تربوي كبير ولا يزال يردد: “من الأفضل لي ان أعلم شخصا صيد السمك من ان أعطيه سمكة”.

من سوق الغرب إلى الشرق والغرب. رحلة لم تكن سهلة لذلك أراد أنيس نصار أن يضمها باقة حكايات في كتاب لكن لا لتكون مجرد قصاصات ورق. هو الذي لم يؤمن يوما ب”الحظ” إنما بالفرص الموجودة والمثابرة والعمل لبلوغ الأهداف. ومهما ارتقى الإنسان يبقى الوطن ملاذه الأخير: “الجسد يحمل عدة جنسيات، أما الدم فلونه واحد. ولبنان دمي وسيبقى مهما طالت الرحلات”. ولرحلة أنيس نصار على الورق تتمات باكورتها كتاب عن الوطن من مخزون الماضي والخيال والذكريات وكتاب ثان باللغة الإنكليزية بعنوان “العقل العربي الجديد” يتناول سيرة أبرز المفكرين العرب من المشرقيين المسيحيين “بهدف تعريف العالم على العقل العربي الذي لا يختصر بالفكر الداعشي”.
بقناعة يعترف أنيس نصار أن شرارة الحرب في لبنان انطلقت قبل 13 نيسان 1975 “الحرب بلشت وقت صار في دولة ضمن دولة. واليوم عم يتكرر نفس السيناريو”. مع ذلك لا يزال إيمانه بلبنان كبيرا وتعزز مع تفاهم معراب ليس لأنه ساهم في تعبئة الفراغ الرئاسي الذي استمر عامين ونصف إنما قناعة منه بأن “لبنان لا يقوم إلا باتحاد المسيحيين فيه. واتفاق معراب كان ضربة معلم”.

“جعجع قائد مذ كان طالبا على مقاعد الدراسة في الجامعة الأميركية
عندما زار أنيس نصار لبنان في بداية شهر كانون الأول الجاري وضع على برنامج زياراته محطة أساسية: مقر حزب القوات اللبنانية – معراب. وفي اليوم المحدد توجه إلى معراب لزيارة رئيس الحزب والصديق وزميل مقاعد الدراسة والنضال سمير جعجع. عند وصوله سلمه كتابه “رحلتي من سوق الغرب إلى الشرق والغرب” وقال له: “أرجو منك أن تكون الصفحة 108 أول صفحة تقرأها في هذا الكتاب”. وكذلك قال لنا عندما وقع لنا كتابه. نفتح الصفحة ونقرأ: “سنة 1970 حصل اشتباك في كلية الكيمياء (في الجامعة الأميركية في بيروت) مع الطلاب اليساريين وكان بينهم ربيع وعبد الرحمن الأسير ويوسف العلمي. اشتبكنا معهم على أدراج الكلية، وفيما كنا نتقدم للدفاع ، كونهم هم من بادروا بالهجوم علينا، إذا بشاب طويل القامة، رفيع الجسم، يحمل بيده قضيبا من الحديد، يهجم كالأسد! نظرنا إلى بعضنا نظرة استغراب لأننا لا نعرفه وتساءلنا من يكون هذا الشاب، وهل هو معنا أو ضدنا؟ كان واضحا أنه تلميذ جديد في الجامعة ولكنه ما لبث أن وقف إلى جانبنا وشارك في المعركة كالأسد، حتى أننا ظننا أنه يزايد علينا. وقد سقط في هذا الإشتباك عدد كبير من الجرحى.عند انتهاء المعركة تقدمت من الشاب وسألته: “من تكون”؟ فأجاب بأنه طالب جديد في الجامعة وحين سالته عن إسمه أجاب: “إسمي سمير جعجع”. هكذا تعرفنا إلى سمير جعجع الذي دخل بعد ذلك إلى رابطة الطلاب اللبنانية وقد كان فاعلا جدا في الرابطة حتى تاريخ تركه الجامعة إبان الحرب اللبنانية”.

تلك الزيارة لم تكن فقط لإهدائه مولوده الأدبي الأول، فأنيس نصار أراد أن يهنئ سمير جعجع على تفاهم معراب الذي ساهم في إخراج البلد من آتون الفراغ وانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية. ذاك الطالب الذي اخترق الصفوف ذاك اليوم في الجامعة لا يزال يدهش أنيس نصار “القيادة تولد بالفطرة، لا تُعلَّم ولا تُكتسب. وسمير جعجع ولد قائدا منذ كان طالبا على مقاعد الدراسة ولو أكمل دراسته لأصبح من أشهر الأطباء في لبنان”.
بعد خروج سمير جعجع من الإعتقال التقى أنيس نصار بالنائب ستريدا جعجع في دبي خلال زيارة لعائلة الراحل أنطوان شويري: “سألتها عن الحكيم وأخبرتها عن معرفتي به منذ أيام الدراسة على مقاعد الجامعة الأميركية. وأرسلت معها سلامي للحكيم. بعد أسبوع كنت وزوجتي في زيارة إلى بيروت وقررت تلبية دعوة النائب جعجع لزيارة معراب. في الطريق سألتني زوجتي: “ماذا تتوقع من رجل عاش مدة 11 عاما في الإعتقال؟ أجبتها حتما لن يشبه سمير جعجع الذي عرفته. وصلنا وكان ينتظرنا على درج المدخل الرئيسي. وبادر زوجتي قائلا: “ما كان تارك بنت من شرو (في دلالة على أيام الشباب في الجامعة). وعلى العشاء استعاد روايات ومحطات كنت نسيتها أنا الإنسان الذي يعيش في الغربة وفوق عاشر أرض. دهشت كثيرا بذاكرته إلى درجة أنه عند خروجنا قالت لي زوجتي يا ريتك إنت ما عدت تشبه نفسك”.
في كل سنة يتوجه أنيس نصار إلى معراب للمشاركة في قداس الشهداء. “إسم خيي سامي على لائحة الشهدا وأنا بفتخر بشهادتو أنا كمان كان ممكن كون مشروع شهيد بس الصدفة لعبت دورا تماما متل ما لعبت دورا نهار اللي وقعت الطيارة اللي كنت مسافر فيا ع الخليج عام 1976. بس للصدف إنو الوزير بشارة مرهج ما قدر يوصل لا يوصلني ع المطار. وانفجرت الطيارة اللي كنت راح كون ضمن ركابا فوق الكويت”.
وهل لا يزال يؤمن بلبنان الذي خطف منه شقيقه ووالديه وعمره ومسرح طفولته؟ “أنا متفائل بمستقبل لبنان لأننا وطن العلم والثقافة ونحن من يصدر العلم والمدارس والأدمغة إلى العالم ولولا ذلك كنا انتهينا وانتهى لبنان”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
