.jpg)
ألم تشتاق الى تنورين؟ جبالها آلهة نائمة، بالوع تنورين نافذة الى اللغز والخيال… هناك بيتٌ عند كتف الجبل وعلى “السطيحة” إبريق ماء بارد للفلاحين والصيادين العائدين من وادي الارز. إلمس الابريق واشرب من ماء الملائكة…
ألم تشتاق الى أهمج؟ هي راهبةٌ تنجب ألحاناً والواناً وأناشيد… هناك بيتٌ أمامه “عريشةُ” عنب من شعراء وعلماء…تحت أفياء “العريشة” عجوز عمرها مئات السنين تنتظرك لتطعمك من يديها لوز المحبة وزبيب الترحاب… إلمس يديها المجعدتين وقبّل في يديها بساتين وسهولاً تضحك للشمس…
ألم تشتاق الى عاليه؟ هي صيفٌ من زعتر وورد…جبينٌ يعرَقُ نوراً… هناك عتبة بيت من قرميد أحمر، يجلس شيخٌ جليل يدقُّ الزعترَ ويطحنُهُ في كيس قماش، وعصافير الورور تسكرُ من عطر الزعتر وتغرّد للمغتربين حنيناً.
ألم تشتاق الى “عين إبل” في جنوب لبنان؟ هي هيكلٌ أخضر، ينام فيه “أبولون” ولا يشيخ… هناك كهفٌ قديم يجلس أمامه على صخرة راع يغنّي الجمال، وصدى الكهف ينشرُ الصوت الى بيوت القرية وبناتها… إسمع الاغنية واركع في هيكل العَراء…
ألم تشتاق الى غزير؟ هي خمرةُ التاريخ… سكر بها الحاضر، وحَلم بها المستقبل. في غزير سوقٌ قديم ودكاكين جدائلها رمادية، وفي خبايا السوق فتاة ومكنة خياطة وفساتين من ينابيع ودرج حجر قديم وطحالب وزهور…ارقص مع الفساتين واشرب حتى الثمالة من خمرة التاريخ…
ألم تشتاق الى بَينو في عكار؟ هي بَسمةُ الشمال الساحرة. فيها ترتاح الطيور في سفرها. تشرب الغزلان من بحيرتها. هناك أطفال يركضون في الحقول وراء أحلام من سنديان وعنفوان… إركض معهم الى جبل من صنوبر وقوة واستلق من التعب واحلم أحلاماً من اوراق شقائق النعمان…
ألم تشتاق الى الكورة؟ هي أول زيتونة غرسها الله. مباركة هي! هناك نساء ورجال وأولاد يقطفون الزيتون تحت ألوان الخريف… يعصرون التعاون والبركة فتقرع الاجراس ويتبارك الموسم… اذهب وامسح جبينك بزيتون الكوره، بهذا الزيت مُسحَ ملوك التاريخ والالهة…
ألم تشتاق الى عمشيت؟ هي حكايةُ غار لا ييبَس. هي نخيلٌ لا ينحني. هي “بخور مريم” لا يذبل… هي أمّي الفلاحة، وأبي البحّار… أمش على طرقاتها واحرق ترابها بخوراً… هناك قناطر وحارات عتيقة من شال جدتي ومعول جدّي…
ألم تشتاق الى مزياره تاجُ الملكات؟ الى بيروت قصيدة كل الشعراء؟ ألم تشتاق الى لبنان، كُل لبنان؟…أذهب إليه، لا الى زعمائه المتآمرين… إذهب الى لبنان فهو شعاعٌ من أبديّة، هو كتابُ الله الأحبّ، هو رواق هيكل الله… عانق لبنان، عانقه طويلاً، ففي عناقه زهدٌ ونسكٌ وانخطاف.