.jpg)
هل هي صحوة فارسية متأخرة؟ أم استشعار تبدُّل في الدبلوماسية الدولية؛ وبالتالي تغيير في موازين القوى العسكرية؟! أو إدراك لما تحمله الإدارة الأميركية الجديدة من أخطار على المشروع الفارسي، المُجمّل بالمذهبية؟ أم إنها جميعاً أدركها العقل الفارسي، منذ انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، والمواقف المستجدة للرئيس الروسي؟ واضحة هي استعدادات طهران للمواجهة الكبرى، التي لا تسير في مصلحتها.
تتنقّل الأزمة السورية بين عواصم العالم بحثاً عن حلّ. من جنيف في سويسرا وعجقة الأمم المتحدة ودولها؛ إلى موسكو، عاصمة البحث عن الحلول بالقوة العسكرية؛ لتستقر اليوم بمجاهل آسيا الوسطى في آستانة عاصمة كازاخستان، عاصمة السكون والجليد والإفتقار إلى الضوضاء. تسوح الأزمة السورية على العواصم بحثاً عن حلّ؛ لكن عناصرها لا تزال حيَّة، بين أبشع آلات القتل المجاني التي يستخدمها النظام وحلفاؤه من جهة، ورفع رايات الثورة السلمية في المدن السورية، بعد إعلان الهدنة، من جهة أخرى؛ وبينهما المنظمات الإرهابية، التي نشطت كثيراً لصالح أفرقاء عديدين، باستثناء مصلحة الشعب السوري وثورته، الرافض للمستبدين الإثنين: النظام والدواعش الإرهابية، المولودة من رحم الظلم والإستبداد.
الميدان السوري والدبلوماسية الروسية، يحملان دلالات عديدة، تشي بأن عهد إيران في سوريا بدأ بالتداعي والأفول؛ ويبدو أن طهران تستعد لوداع دمشق. قد يتحقّق ذلك بعد عامٍ أو عامين أو أكثر؛ أعوام ضرورية للمقايضة بشيء ما قبل الإعتراف والإقرار بهزيمة مشروعها الوهمي في إقامة أمبراطورية، جوهرها فارسي وظاهرها مذهبي. فما هي هذه الإشارات التي تدل على إقرار طهران، بأن مغامرتها، السورية على الأقل، باءت بالفشل؟
الدليل الأول والأهم، هو الموقف الأخير للرئيس الروسي، الذي يتحمّل لوحده حتى اليوم، عبء استمرار النظام ومسؤولية استمرار وجود شريك مضارب في سوريا إسمه طهران. فالموقف الذي اتّخذه بوتين، خلال الفترة الأخيرة، وتحديداً بعد سقوط مدينة حلب، يدل على أن “القيصر” الروسي بات مستعجلاً الحلَّ في سوريا، على حساب النظام وحلفائه، قبل أن يداهمه الوقت.
بعد سقوط حلب طلب بوتين من أوباما إحياء جنيف بحثاً عن حلٍّ يسمح له باستثمار “انتصاره” في المدينة، قبل وصول ترامب إلى رأس الإدارة. فرفع الأسد سقفه قبل جنيف بالقول “لا مفاوضات مع المعارضة قبل إلقاء سلاحها”، وهنا يسأل المراقبون “وهل يبقى هناك من سبب للمفاوضات إذا ألقت المعارضة سلاحها؟” وهل قرأ أحد ما في التاريخ الطويل للشعوب أن تخلى فريق عن سلاحه قبل بدء مفاوضات مع خصمه أو عدوه؟ وهل يمكن للأسد أن يحدد لنا من هي المعارضة التي يقبل بها ويريد نزع سلاحها؟ لكن أوباما رفض المبادرة لأنه أصبح خارج المعادلة الأميركية. ردَّ بوتين على الأسد بنصحه خفض سقف مطالبه، وترجم هذا الإمتعاض بقرار يقضي بخفض عديد قواته في سوريا، ليبعث بذلك رسالة واضحة إلى الأسد وحلفائه تقول: “أوقفوا المراهنة على استغلال وجودنا العسكري”. أزعج هذا القرار كلاًّ من دمشق وطهران؛ لأن الجيش الروسي وعملياته العسكرية، هي التي تؤمّن استمرارهما فوق الأرض السورية. وأعقب ذلك بإصدار أمر عسكري يقضي بسحب حاملة طائراته الوحيدة المرابضة قبالة الشاطئ السوري، كل ذلك من دون استشارة أي من حليفيه في دمشق وطهران. وكانت قمة مفاجآت بوتين للأسد، عندما أعلن من موسكو من جانب واحد، وبالتوافق مع تركيا فقط، وقف إطلاق النار في سوريا؛ ما أزعج النظام وإيران اللذين أعلنا عقب ذلك القرار، أن لا هدنة مع الإرهابيين في سوريا. طبعاً حتى الطفل الذي يحمل سكيناً للمطبخ في سوريا، هو إرهابي بنظر النظام.
غداة إعلان وقف إطلاق النار، اجتاحت التظاهرات السلمية معظم المدن السورية رافعة علم الثورة، ومطالبة برحيل الأسد. فعاد الكابوس إلى قصر المهاجرين من حناجر هؤلاء المتظاهرين السلميين، لأن مفاعيل تلك الحناجر أشد وطأة على استمرار النظام من أسلحة الإرهابيين. فكان ردُّ النظام عسكرياً بفتح جبهات قتال على مقربة من دمشق، بعيداً عن ساحات التدخل العسكري الروسي في شمال سوريا وغربها. وكأن عاصمة الأمويين وعاصمة الفرس تريدان القول لروسيا: “نحن نرفض هذا القرار المتخذ من جانب واحد، وبالإتفاق مع أنقره بالذات”؛ كما أرادا بذلك رفض العودة إلى التظاهرات السلمية التي يعتبرها النظام أشدّ تهديداً لاستمراريته؛ لأن حناجر المتظاهرين أقوى من أصوات مدافع النظام.
لم يكتف بوتين بذلك، عندما دعا الأفرقاء المعنيين بالعمل العسكري في سوريا، إلى لقاء في مدينة آستانة، للبحث في حلٍّ للأزمة السورية. طبعاً سيحضر الدعوة إلى جانب روسيا، كلٌّ من النظام وطهران وتركيا و”المعارضات” التي لا تزال موضع بحث. لكن أنقره ألحقت بالدعوة موقفها الدائم الثابت القائل “لا مكان للأسد في مستقبل سوريا”؛ ومن دون أن تعترض موسكو على الموقف التركي.
هذه المواقف المتصاعدة لأنقره وموسكو، عززت الإنطباع لدى دمشق وطهران، بأن روسيا وتركيا تحوَّلتا إلى الحليفين الأقرب والألصق بين القوى المتناقضة الذاهبة إلى آستانة. فالمصالح المشتركة التركية – الروسية، هي أعمق بكثير من تلك المفترض تصوُّرها بين موسكو وطهران. لا بل هناك تضارب في المصالح بين العاصمتين الأخيرتين في تسويق ثروتهما الطبيعية: النفط والغاز. إذ تشكل تركيا الممر الاستراتيجي الإلزامي لكلا الدولتين براً لتصدير ثروتهما الغازية، على الأقل، إلى العالم، خصوصاً أوروبا. ناهيك عن مصالح الجوار والتكنولوجيا والمضائق (البوسفور والدردنيل)، والسياحة والمشاركة في المذهب السنّي… كل ذلك دفع بطهران إلى توّخي الحذر من التقارب القوي المستجّد بين أنقره وموسكو.
حذر طهران لم يكن ناجماً عن المواقف الروسية غير المتوقعة فقط؛ إنما أضيف إلى هذه المواقف منذ أكثر من شهرين حتى اليوم، ما صدر من تصريحات متقدمة للرئيس الأميركي المنتخب تجاه طهران. فالرئيس الجديد يضع نصب عينيه إعادة النظر بالإتفاق النووي المعقود مع إدارة أوباما؛ كما ينوي إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي، ومنعها من التمدُّد على حساب جيرانها، حلفاؤه التاريخيين أي دول الخليج العربي. هذا التمدُّد غير الطبيعي، الذي حققته إيران فوق الأرض العربية، وعقد اتفاق نووي مع إدارة أوباما، لم يكونا يتحققان طيلة ثمانية أعوام، لولا ضعف الإدارة الأوبامية؛ لذا يهدف ترامب إلى إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي في المنطقة، ما يضع طهران في مواجهة خاسرة سلفاً مع واشنطن، ويدفعها منذ اليوم إلى إعادة حساباتها فوق كل المسارح.
القرار الأميركي تجاه إيران، واكبه أيضاً قرار روسي يطلب من طهران سحب ميليشياتها (الأفغانية، الباكستانية، العراقية وطبعاً اللبنانية) من سوريا. هذه الميليشيات تشكل لإيران قوتها الكبرى الضاربة فوق الأرض السورية؛ وبالتالي لا يمكن لإيران التخلّي عن هذه القوى أو سحبها من الساحة، قبل وضوح مستقبل سوريا وتحديد حصة إيران فوق هذه الساحة؛ لأن هذه الميليشيات هي التي تحجز مقعداً فاعلاً لإيران على طاولة المفاوضات أينما عُقِدت هذه الأخيرة.
باختصار، يبدو أن الرياح الإقليمية والدولية تتجه بعكس ما تشتهي سفن إيران. فالغزل الأميركي – الروسي الأخير، بين إدارة ترامب وروسيا، قد يفتح الباب أمام تعاون أوسع بين الدولتين فوق مسارح عديدة، ومن ضمنها مسرح الشرق الأوسط. هذا التعاون يهدف حتماً إلى إعادة طهران إلى حجمها الطبيعي؛ إنطلاقاً من المسرح السوري. كما يؤرق إيران هذا التعاون المستجد بين موسكو وأنقره على حساب طهران. هذه “الأنقره” التي لا تزال تُصِرُّ على رحيل الأسد، وسط سكون مطبق لموسكو وخفض لحجم قواتها فوق الأرض السورية، ودعوتها لانسحاب الميليشيات (كلها مؤيدة لطهران) الداعمة للنظام… في مشهد يظهر روسيا وكأنها تزيد الضغط، لتضييق ثقب الأوكسيجين الذي يغذي رئة النظام؛ ما يدفع بطهران إلى توقُّع الرحيل عن دمشق، وتكريس هزيمة مشروعها الأمبراطوري، إنطلاقاً من الساحة السورية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]