
هي الذاكرة، التي تقتحم اوقاتي وايامي، تعيدني إلى طفولتي، إلى ايام عشتها، ووجدت نفسي أدوّن لحظات وأيام لم انسها مهما طال الزمن وبعد المكان.
لحظات اكتبها بحروف وكلمات تنقل حقيقة رافقتني وبقية رفاقي في ذاك اليوم من عام 1986، اليوم الذي حصلت فيه إنتفاضة 15 كانون الثاني.
لم أكن أعلم حينها انني سأشهد على اسقاط الإتفاق الثلاثي، لم اكن اعلم ما هو هذا الإتفاق وطبيعته وابعاده الكارثية، كل ما اذكره انني كنت في دير سيدة ميفوق طالباً للعلم، مبتعداً عن صخب بيروت التي كانت تتألم بسبب الحروب، اراد والدي ان اكون في ميفوق لألقى تعليماً آمناً بعيداً عن اصوات القذائف والتنقل وسط الرصاص في الأشرفية.
كان يوماً عادياً، استيقظنا مع بزوغ الفجر، تناولنا فطورنا في قاعة الطعام، وانطلقنا إلى الملعب لفترة 10 دقائق قبل البدء بيومنا الدراسي.
الملعب يعجّ بالتلاميذ، وأصواتهم تملأ المكان، لكن ما هي الا لحظات حتى بدأت القذائف بالسقوط مستهدفةّ الدير والملعب، ومعها انقلب صراخ اللعب إلى خوف وهلع.
إلى اروقة الدير الآمنة في الطابق السفلي تجمعنا، وبدأ تعداد التلاميذ بالأسماء من قبل الأساتذة وعجّ الدير بمقاتلي “القوات” والأهالي الذين اتوا لتفقد اولادهم.
هدأ الرعب والخوف بعد مرور ساعة من الوقت، وبدأت باستيعاب الأمر، ولكن طبعاً من دون إدراك الاهداف السياسية والعسكرية لسقوط تلك القذائف.
سيدة ايليج حمت التلاميذ وابت ان يصاب أحد، بقينا داخل الأروقة لبضعة ساعات، إلى ان اتت وحدة عسكرية من “القوات” وطلبت من القيمين على الدير اخذنا إلى مكان اكثر أماناّ لأن لديهم معلومات بأن القصف سيتكرر.
من الأروقة إلى القبو المصنوع من الصخر، دخل اليه من تبقى من التلاميذ والبعض الآخر رحل مع ذويه.
في ذلك القبو، لا توجد نافذة، وحده ثقب المفتاح هو المكان الوحيد الذي يمكن ان نرى ما يحصل في الخارج.
فرشوا لنا الارض لأننا مجبرون على النوم هناك في انتظار اهالينا، لأن الخطوط الهاتفية في بيروت مقطوعة.
خلف باب القبو، جلست لساعات وانا انظر من ثقب المفتاح لأرى عناصر “القوات” وهم يتوجهون بآلياتهم العسكرية نحو بيروت، لم أعلم وجهتم طبعاً ولكن كنت ادرك ان تلك الطريق تؤدي إلى بيروت حيث والدي الذان يعتقدان انني بآمان.
عشت في ذلك القبو برفقة 30 تلميذاً، اكلنا سوياً، بكينا، خفنا، ضحكنا، نمنا، وتبادلنا الاحاديث، احاديث ليست بحجمنا وسننا، احاديث عن الحرب التي كانت تجري خلف ثقب المفتاح.
48 ساعة من الحصار في القبو، اتى الفرج مع والدي، لم يقل شيئاً، نظر الي وانهمرت من عينه دمعة واحدة رسمت خطاً على خده، وعندما سألته لماذا تبكي، قال لي، “ما عم ابكي، في صقعة”، لكن ادركت ان تلك الدمعة كانت بمثابة كلمة اشتياق وخوف مما عشته هناك.
في ذلك الدير تعلمت 3 سنوات، وكانت لي ايام وذكريات سعيدة، اذكر واحدة من اجمل اللحظات التي عشتها عندما رأيت الدكتور سمير جعجع لاول مرة في الحقيقة، كان في زيارة تفقدية إلى الدير، فعرّج على التلاميذ، وسألهم، “من يريد ان ينضوي في القوات”؟… طبعاً رفع الجميع يده قائلاً “انا”، عاد الحكيم وقال لنا، “نزلوا، نزلوا ايديكم واهتموا بالدرس شو بدكم بالسلاح”…
هذه ليست إلا محطة واحدة في قطار الذكريات الذي ركبته، ذكريات من عصر “القوات” ومن أشدها حضوراً في البال، البعض منها حفر جروحاً طمرها الزمن، والبعض الآخر لحظات ضحكت فيها قلوبنا فأضفت على أرواحنا نشوة لا تمحى بفعل السنين.
