#adsense

مناقصة مراكز المعاينة الميكانيكية أمام حكومة “استعادة الثقة”

حجم الخط

 

هل تبدأ مسيرة استعادة الثقة، بالرجوع عن قرارات وإجراءات مخالفة للدستور والقانون وقواعد الاختصاص بإلغاء مناقصة، أوقف ولو بعد حين القضاء الإداري تنفيذها بعدما أحجم عن ذلك في المراجعات أمام قضاء العجلة، تجاهل خلال بتها قواعد الاختصاص ومبدأ المشروعية متعاملاً مع القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء وكأنها قواعد آمرة ملزمة من دون أن ينظر في مخالفتها لأحكام الدستور والقانون والمراسيم التنظيمية؟ فما هي القصة الكاملة لمناقصة مراكز المعاينة الميكانيكية التي بدأت عام 2002؟

عام 2002 رفض ديوان المحاسبة إعطاء موافقته المسبقة على مشروع تلزيم مراكز المعاينة الميكانيكية، لوجود عيوب جوهرية اعترت جلسة التلزيم ودفتر الشروط الخاص بالصفقة (القرار رقم 805 / ر.م تاريخ 15-07-2002). إلا أن مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في تاريخ 08-08-2002، تخطى عدم موافقة ديوان المحاسبة على هذا التلزيم، مستنداً إلى الصلاحيات المعطاة له بموجب الفقرة 12 من المادة 47 من قانون المحاسبة العمومية، ومجيزًا التعاقد بالتراضي لتنفيذ هذه الصفقة.

في نهاية العام 2012 إنتهت مدة الالتزام (الذي كان في حاجة فعليا لإفراره الى قانون عملا بالمادة 89 من الدستور) وكان من المفترض أن تنتقل ملكية المنشآت والتجهيزات إلى الدولة اللبنانية، إلّا أن شيئاً من هذا القبيل لم يحصل، وراحت موجات التمديد بقرارات من مجلس الوزراء تتوالى من العام 2013 حتى العام 2016، من دون أن تتم إعادة النظر جدياً بالبدل الذي يدفعه المواطن، رغم أن المستثمر قد استهلك كافة مصاريفه الثابتة، وأصبحت تختصر مصاريفه منذ العام 2013 على المصاريف التشغيلية، وبعض مصاريف التأهيل والصيانة للمنشآت القائمة.

بتاريخ 9/10/2014 صدر عن مجلس الوزراء القرار رقم 20/2014، الذي قضى بتكليف هيئة إدارة السير والآليات والمركبات وضع دفتر الشروط الخاص بغية إطلاق المناقصة المفتوحة لاستحداث مراكز للمعاينة الميكانيكية، على أن تحدد فيه المناطق التي ستستحدث فيها هذه المراكز في ضوء المعايير الفنية المعتمدة، كما قرر تكليف إدارة المناقصات، بعد إقرار دفتر الشروط، بإطلاق المناقصة المفتوحة ورفع النتائج إلى مجلس الوزراء خلال مهلة ثلاثة أشهر على الأكثر.

إلا أنه وبتاريخ 8/4/2015، صدر عن مجلس الوزراء القرار رقم 83/2015، الذي عدّل صراحة قرار مجلس الوزراء رقم 20/2014 تاريخ 9/10/2014، بحيث نصّ على تكليف إدارة المناقصات بإجراء المناقصة المفتوحة وفقاً لدفتر الشروط الخاص بالصفقة، على أن تضم لجنة إجراء المناقصة أعضاء تسمّيهم هيئة إدارة السير والآليات والمركبات، في مخالفة خطيرة لقانون المحاسبة العمومية ونظام المناقصات وقواعد الحيادية، كما قضى هذا القرار بالموافقة على دفتر الشروط الخاص بالصفقة، على أن يتم تعديله في ضوء الملاحظات التي أبداها الوزراء بشأنه.

الواضح أن القرار رقم 83/2015، هو قرار معلّق على شرط، ومن البديهي ألا يصبح نافذاً بدون تحقق هذا الشرط، وهو تعديل دفتر الشروط الخاص بالصفقة في ضوء الملاحظات التي أبداها الوزراء في شأنه، ويقتضي تالياً إعادة عرضه مجدداً على مجلس الوزراء بعد تعديله وفق الملاحظات المشار إليها.

اعتبرت إدارة المناقصات، أنّ الدفتر الوارد إليها من وزير الداخلية والبلديات، هو الدفتر الذي يفترض أنه الموافق عليه في مجلس الوزراء، لأن الأمانة العامة لمجلس الوزراء لم تودعها دفتر الشروط الخاص بالصفقة، ولا تعديلات الوزراء في شأنه، وبذلك تكون الأمانة العامة لمجلس الوزراء قد خالفت البند الاول من المادة 14 من نظام الموظفين. وأصول العمل الإداري.

علماً أن إدارة المناقصات كانت قد اقترحت إعادة عرض دفتر الشروط الخاص بالصفقة مجدداً على مجلس الوزراء، كما أشارت إلى ثلاث مسائل جوهرية هي:

1- وجوب تضمين دفتر الشروط الخاص بالصفقة نصاً صريحاً بمصادقة مجلس الوزراء على نتيجة التلزيم.

2- وجوب تحديد عناصر المفاضلة الفنية بدقة ووضوح تطبيقاً للمادة 126 من قانون المحاسبة العمومية، مما يبعد الاستنساب عن عمل لجان التلزيم، ولا سيما أن ثمة مواصفات يفترض تحديدها بدقة من الإدارة وإلزام العارض احترامها، ولو حصل ذلك لتم تفادي عوامل التقدير والاستنساب في إرساء التلزيم والنزاعات القضائية التي سبق أن أعقبت هذا التلزيم.

3- وجوب تطبيق قرار مجلس الوزراء رقم 83/2015 تاريخ 8/4/2016، بما يتفق مع أحكام قانون المحاسبة العمومية ونظام المناقصات، ولا سيما لناحية حصرية تشكيل لجنة التلزيم من اللوائح المصادق عليها من هيئة التفتيش المركزي، والاستعانة فقط بخبراء مؤهلين يتم اختيارهم من أسماء تقدّمها الوزارة أو الهيئة المعنية الى إدارة المناقصات.

لكن الأمانة العامة لمجلس الوزراء تجاهلت كل ما ورد في كتاب إدارة المناقصات، طالبة السير بالمناقصة بالتنسيق مع هيئة إدارة السير، وفقاً للآليات التي فرضت تدخلاً غير مقبول وغير مسبوق في عمل مؤسسة رقابية مستقلة أنشأها الرئيس الراحل فؤاد شهاب عام 1959 لتكون رقيباً على كل الوزارات في مجال الصفقات العمومية.

من الواضح أن قرار مجلس الوزراء رقم 83/2015، الذي عدّل القرار رقم 20/2014، كان بمثابة تسوية بين منطقين، واحد يقول باختصاص إدارة المناقصات لكون الصفقة من اختصاص وزارة الداخلية والبلديات، وبالتالي وجوب إخضاعها لرقابة إدارة المناقصات، وآخر يقول العكس، يُعبّر عنه موقف هيئة إدارة السير، وهو “حقها في إجراء المناقصات العائدة لها”، مستندةً إلى المادة 82 من النظام المالي للهيئة، مع الإشارة الى ان هذا الإسناد لا يقع في موقعه القانوني الصحيح، لأن النظام المالي لأي مؤسسة يتضمن مجموعة قواعد إجرائية لممارسة الصلاحيات المالية التي تعطيها إياها القوانين والأنظمة النافذة، وهو لا يخلق، في مطلق الأحوال، اختصاصًا وصلاحيات، وانما ينظم كيفية ممارسة هذه الصلاحيات التي تحددها الأنظمة الخاصة بالمؤسسة.

كأي قرار تسوية، كانت النتيجة خرق القوانين مضاعفةً، وبدل عرض القضية على ديوان المحاسبة، أو هيئة الرأي والاستشارات في وزارة العدل لتحديد الجهة المختصة بإجراء الصفقة، كانت التسوية العجيبة الغريبة، إجراء المناقصة في إدارة المناقصات، على أن تضم لجنة إجراء المناقصة أعضاء تسمّيهم هيئة إدارة السير والآليات والمركبات، في ظاهرة هي الأولى من نوعها في تاريخ عمل إدارة المناقصات، وفي ذلك تجاوز خطير وكبير لصلاحيات مؤسسة رقابية وطنية في التفتيش المركزي، وهنا نطرح السؤال: لماذا إجراء المناقصة من أعضاء تسميهم هيئة ادارة السير في إدارة المناقصات، الا اذا كان المطلوب ان تكون ادارة المناقصات غطاء لعدم القانونية؟.

لم يحدث من قبل أن سمت أي إدارة غير إدارة المناقصات أعضاء لجنة التلزيم، فهؤلاء وفقاً لأحكام المادة 130 من قانون المحاسبة العمومية، ونظام المناقصات الصادر بالمرسوم التنظيمي 2866/59، يسميهم حصراً المدير العام لإدارة المناقصات، وهو مقيّد في تسميتهم باللوائح الإسمية المصادق عليها من هيئة التفتيش المركزي، وبهذا ينطوي القرار رقم 83/2015 على مخالفات قانونية صريحة لقانون المحاسبة العمومية ونظام المناقصات. وهذه ليست فقط مخالفة للنصوص القانونية، وإنما هي أيضاً مخالفة للمعايير العالمية لإجراء الصفقات، في وقت يفاخر فيه البعض بالحديث عن الحداثة ومواكبة العصر.

كان من الطبيعي عند التطبيق، ونتيجةً لهذه المخالفات الدستورية والقانونية المهمة، أن تنشأ منازعات سبقت الإعلان عن إجراء المناقصة، ولم تنته بعد الإعلان عن نتيجتها، قسم من هذه المنازعات توجه إلى قضاء الإبطال، وآخر إلى قضاء العجلة السابق لإبرام العقد، إلا أنه من المؤسف والمحزن في آن واحد، أن القاضي الإداري عالج مسألة دفتر الشروط الخاص بالصفقة المسند إلى القرار رقم 83/2015، من دون البحث في مشروعية هذا القرار وقانونيته، ومدى انطباقه على أحكام الدستور أو القانون أو المرسوم التنظيمي الخاص بنظام المناقصات، بل إننا لا نجد في متن قراراته أي إشارة إلى الدستور ومدى التزام أحكامه، ولا سيما المواد 81، 82، 89، ولا الى قانون المحاسبة العمومية والمرسوم التنظيمي الخاص بنظام المناقصات، فهل يعقل أن يبت قرار قضائي صفقة عمومية دون أي إشارة إلى قانون المحاسبة العمومية ونظام المناقصات؟

إذاً، انصب اهتمام القاضي الإداري على مسألة واحدة فقط لا غير، هي هل مندرجات دفتر الشروط تمت الموافقة عليها من مجلس الوزراء أم لا؟ ولم يبحث في المخالفات الظاهرة والواضحة ضمن دفتر الشروط للقانون، أن القاضي الإداري لم يستعمل، وحتى في سبيل التأكد من هذا الأمر، سلطته الاستقصائية، ويطلب من الأمانة العامة لمجلس الوزراء ايداعه دفتر الشروط الموافق عليه في مجلس الوزراء، ليتأكد من انه الدفتر الذي تجرى على أساسه المناقصة، بل راح يعالج النقاط المطروحة عن طريق الاستنتاج من خلال مقارنة مستندات من هنا وهناك، مؤكداً وجود بعض الشروط في قراره الاعدادي، ومتراجعاً عن قسم منها في قراره الاساسي، ومبتعدا عن أصول عمل القضاة، فلو طلب القاضي الإداري تزويده النسخة التي وافق عليها مجلس الوزراء لكان حسم الأمور بدقة ووضوح، لكنه لم يفعل!

فكيف بت القضاء الإداري قرارات اعدادية أو نهائية في إطار قضاء العجلة، في صفقة لا يعلم أحد ما هو دفتر الشروط الخاص بها؟ هل هو الذي أرسله وزير الداخلية والبلديات إلى إدارة المناقصات؟ أم أنه ما زال في ادراج الأمانة العامة لمجلس الوزراء؟ أم أنه غير موجود أصلاً؟ ولا سيما أن أحد وزراء الحكومة السابقة صرح للإعلام واعترض للمؤسسات الرقابية على دفتر الشروط المرسل من وزارة الداخلية والبلديات إلى إدارة المناقصات، معتبرا أنه يخالف كل ما اتفق عليه في مجلس الوزراء (وزير الاقتصاد السابق آلان حكيم)، فهل تفرج الأمانة العامة لمجلس الوزراء عن الشروط التي توافق عليها الوزراء في جلسة 8/4/2015، توضيحاً للحقائق وعملاً بمبادىء الشفافية التي تحكم الإدارة الحديثة؟

إن وزارة الداخلية والبلديات هي صاحبة الاختصاص، لأن موضوع هذه الصفقة لا يدخل ضمن مهمات هيئة إدارة السير والآليات والمركبات، التي نيطت بها مهمات إدارية وتخطيطية وتنظيمية وتشغيلية وليست إنشائية.

هذا التحليل ينطبق أيضاً على مناقصة تلزيم رخص سوق ورخص سير المركبات الآلية ولاصقات الكترونية ولوحات التسجيل الآمنة وبرامج مكننة مصلحة تسجيل السيارات والآليات التي أجرتها هيئة إدارة السير، لا وزارة الداخلية والبلديات، ومن دون إشراف أو رقابة من إدارة المناقصات في التفتيش المركزي. علماً أنه عام 2013 كان وزير الداخلية والبلديات السابق مروان شربل طلب إجراء مناقصة تتعلق فقط بلوحات تسجيل مركبات عالية الأمان، وقد راسل إدارة المناقصات بهذا الخصوص، وانتدب العميد برباري للاجتماع مع المدير العام لإدارة المناقصات ليأخذ بمضمون ملاحظاتها على دفتر الشروط الخاص بالصفقة، إلّا أن الحكومة استقالت في وقت لاحق، وأعيد إجراء المناقصة لدى هيئة إدارة السير على أسس وقواعد وبموجب إجراءات مختلفة تماماً.

فهل تعيد حكومة “استعادة الثقة”، الثقة المفقودة بالتزام أحكام الدستور، وتطبيق القانون واحترام قواعد الاختصاص في مناقصة أوقف مجلس شورى الدولة متأخراً تنفيذها، بعد مراجعات أمام قضاء العجلة ردها متجاهلاً مبدأ المشروعية، وعيوب تشكيل لجنة التلزيم الظاهرة والساطعة لناحية وجود أعضاء من خارج اللوائح المصادق عليها من هيئة التفتيش المركزي، واللجنة الفنية لناحية وجود أشخاص غير مؤهلين بصفة خبراء، سمتهم هيئة إدارة السير؟

هل تُسقط الحكومة هذه المناقصة المعيبة، وتعيد الاعتبار إلى المؤسسات الرقابية الوطنية، قبل أن يبطلها القضاء الإداري، وهذا الأمر ينطبق على مناقصة تلزيم رخص سوق ورخص سير المركبات الآلية ولاصقات الكترونية ولوحات التسجيل، التي جمعت أربعة على الأقل بواحد؟

 

http://newspaper.annahar.com/article/523511-%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A9

 

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل