.jpg)
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1594
في 28 كانون الأول 1985 عندما كان يتم توقيع الإتفاق الثلاثي في دمشق كان هناك اعتقاد سائد بأن ما كتب قد كتب، وبأن ليس هناك من سيقف ضد هذا الإتفاق الذي تابعه رئيس النظام السوري حافظ الأسد، وبأن لبنان بعد هذا التاريخ سيكون تحت الوصاية السورية وسيبقى كذلك. ولكن في 15 كانون الثاني 1986 سقطت تلك النظرية وسقط ذاك الإتفاق، وكان سمير جعجع صاحب القرار الذي تحدّى فيه النظام السوري ليستعيد القرار داخل “القوات اللبنانية” ويستعيد “القوات” ويثبت خياراتها التاريخية العاكسة للوجدان المسيحي. وفي 18 كانون الثاني 2016 كان سمير جعجع أيضا صاحب القرار الذي غير مسار التطورات في لبنان وفتح الطريق إلى قصر بعبدا وانتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية.
قبل نهاية العام 1985 عندما كان يتم التحضير لتوقيع الإتفاق الثلاثي كان هناك اعتقاد تام تقريبا لدى النظام السوري بأن سمير جعجع رئيس الأركان في القوات اللبنانية المعارض للإتفاق ليست لديه القدرة على خربطته وعرقلته. كان هذا الإعتقاد يستند إلى مسألتين: الأولى أنه لا يملك القدرة العسكرية والثانية أنه لا يملك أي غطاء سياسي ودعم دولي ليمنع إنجاز عملية التوقيع على الإتفاق ووضعه موضع التنفيذ.
في الواقع كان سمير جعجع يدرك جيدا أن قلب “القوات” معه وأن قواتها الأساسية تقف إلى جانبه ولكنه بقي يراهن حتى اللحظة الأخيرة أن رئيس الهيئة التنفيذية وقتها إيلي حبيقة لن يقدم على هذه الخطوة في اللحظة الأخيرة. ولكن حسابات حبيقة كانت مشابهة لحسابات النظام السوري ليس لسبب إلاَّ لأنه هو الذي كان أقنع هذا النظام بعجز سمير جعجع عن القيام بأي رد فعل وبأنه سيخضع في النهاية لما يتقرر في دمشق.
الجانب الآخر من التقييم السوري كان واقعيا. لم يكن هناك أي غطاء دولي لمعارضة سمير جعجع. لم تكن مراكز القرار الدولية مهتمة بما سيحصل في “القوات اللبنانية” وكان هناك شبه تسليم بأنه إذا كان ذلك الإتفاق ممراً إلى تسوية سورية في لبنان فلماذا لا يتم تسهيل الوصول إليه. ولكن حسابات سمير جعجع لم تكن كذلك.
منذ انتفاضة 12 آذار 1985 كان سمير جعجع مدركا للطريق التي سلكها. كانت تلك الإنتفاضة ممرا إلزاميا لتأكيد بقاء “القوات اللبنانية” واستمرارها على خطها التاريخي الذي أراده لها مؤسسها بشير الجميل وبأن “القوات” وحدها هي الكفيلة بالمحافطة على هذا الخط. ولذلك عندما اتخذ القرار كانت “القوات” جاهزة للتنفيذ وكأن القرار هو قرار كل من كان في “القوات”. وعندما تكررت محاولة حرف القوات عن تاريخها لم يتردد جعجع في تكرار الإنتفاضة.
في أكثر من مناسبة روى الدكتور سمير جعجع ظروف وملابسات عملية 15 كانون الثاني 1986. وأكثر من مرة ردد بأن القرار كان قواتيا بامتياز وبأنه أكثر من ذلك تلقى نصائح بعضها من الأميركيين بعدم المعارضة وبالإنصياع حتى لا يتحمل مسؤولية الخسارة المضاعفة لأن أية مغامرة سيقوم بها ليست مضمونة النتائج.

عاكس سمير جعجع كل التوقعات. منذ تسلم رئاسة الأركان في “القوات اللبنانية” كان عكف على إعادة تنظيم صفوفها انطلاقا من معهد بشير الجميل في غوسطا إلى كل الوحدات والثكنات العسكرية وإعادة التأهيل بحيث كان يريد في ظل الحرب المستمرة وتحت الضغط العسكري الإنتقال من حال الفوضى المتراكمة إلى حال القوة المنظمة ولو اقتضى الأمر الكثير من التضحيات. وبهذه الطريقة أعاد خلق الدينامية العسكرية داخل “القوات” على رغم محاولة حبيقة تشكيل “قوات لبنانية” موازية تحت ظل جهاز الأمن الذي بقي تابعا له وعمله على ضبط المناطق الشرقية على الطريقة السورية في ظل حكم أمني مهَّد له بقرارات شقّ “القوات” وحزبي الكتائب والأحرار لمنع تكوّن أية معارضة. ولكن هذا التصرف أعاد تجميع المعارضين للإتفاق إلى جانب الدكتور جعجع وخصوصا الرئيس كميل شمعون ورئيس الجمهورية أمين الجميل.
رسم سمير جعجع خطة التحرك على ورقة من عمشيت إلى مرفأ بيروت وفي المساحة البيضاء كتب اليوم ي والساعة س وبعد اتخاذ القرار حددهما: الأربعاء في 15186 والساعة 6. عندما هاجم حبيقة منطقة المتن في 13 كانون الثاني ارتكب خطأ استراتيجيا. اتصل به الدكتور جعجع وسأله إذا كان يريد المساعدة وكان مدركا أن العملية فشلت عسكريا وأنه لا بد من تحديد الساعة الصفر وكان القرار الذي نفذ خلال ساعات وأسقط الإتفاق الثلاثي ووضع حدا لمحاولة تزوير تاريخ “القوات اللبنانية”.
في أواخر العام 2016 اعتقد كثيرون أيضا أن قرار إسقاط الفراغ في قصر بعبدا يتخطى قدرة الأطراف المحلية وأن العالم كله ليس في وارد التطلع إلى ما يحصل في لبنان المتروك لقدره بينما المنطقة كلها في حال اشتعال. مرة جديدة أدرك سمير جعجع أن في الإمكان تغيير مسار الأمور بقرار لبناني داخلي وأنه مع “القوات اللبنانية” قادرون على اتخاذ هذا القرار. لذلك لم يتردد في رسم خارطة جديدة للتحرك تبدأ من الرابية وتمر في معراب وتنتهي في قصر بعبدا. هنا أيضا كان يُقدم حيث لا يجرؤ الآخرون. عندما اختار أن تبدأ المصالحة مع التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون كان الكثيرون يعتقدون أنه لا يمكن أن يقدم على هذه الخطوة وأن الظروف كلها غير مؤاتية وأنه سيبقى متمسكا بترشحه إلى رئاسة الجمهورية. ولكنه فاجأ الجميع عندما عبر موكبه بعد ظهر 2 حزيران 2015 من معراب إلى الرابية ليلتقي العماد ميشال عون ويعلنا معا ورقة النوايا بين “القوات” و”التيار”. وعلى رغم ذلك ظل كثيرون يعتقدون أن ما بين الرجلين وما بين القوات والتيار لا يمكن أن تمحوه خطوة ارتجالية من هذا النوع. ولكن عندما كان هؤلاء يعتبرون أنها خطوة ارتجالية كان سمير جعجع بدأ يضع الخارطة الثانية للزيارة التي سيقوم بها العماد عون إلى معراب ليعلن في خلالها تخليه عن ترشيحه وتبني ترشيح الجنرال عون. في 18 كانون الثاني 2016 كان ذلك الحدث غير المتوقع يصبح حقيقة ويفاجئ الذين ما كانوا يتصورون أنه سيحصل.
بعد ذلك الإعلان التاريخي عن المصالحة التي تعدت الترشيح إلى رئاسة الجمهورية نحو التحالف قال سمير جعجع أنه كان يتمنى لو حصل اللقاء في 15 كانون الثاني ربطا بما حصل في العام 1986 واضعا هذا الحدث بموازاة ذاك الحدث. ولكن الترتيبات العملية للقاء مع العماد عون تخطت التواريخ لتكتب تاريخا جديدا سيبقى راسخا في ذاكرة التواريخ اللبنانية الأساسية التي خلقت التحولات في مسار الأحداث وأثبتت أن هناك من يتجرأ ويتخذ القرارات حيث لا يتوقع الآخرون وان قوات 1986 هي ذاتها قوات 2016 و2017 و2127. وأن المسار هو ذاته وأن الخيارات لا تتبدل ولا تتغير مهما تغيرت الأيام.
بعد عملية 15 كانون الثاني 1986 قال سمير جعجع في حديث إلى “المسيرة” ردا على سؤال عن كيفية إعادة الأمل إلى المسيحيين بأنفسهم وبالقضية وبالوطن: “يجب أن يعرف المسيحيون أن مقياس التاريخ ليس أسبوعا ولا شهرا ولا سنة. هذا تاريخ يُبنى وهذا وطنٌ لم يستقلّ بعد. حتى الآن لم يحصل استقلالٌ حقيقي ولم نصل إلى بنى وطنية حقيقية. الأجيال التي سبقتنا كانت تجرِّب لفلفة الأمور دائما بالتي هي أحسن في وقت قصير. أما الآن فيجب أن يعرف المواطنون أنهم إذا أرادوا الوصول إلى وضع مستتّب وبُنى وطنية فعلية، وأمن دائم وسلام شامل، لا بدّ من تقديم الكثير من التضحيات والجهد والوقت. عليهم أن يأخذوا هذا المعطى في الإعتبار ويتصرفوا على اساسه. بناء وطن يستلزم سنوات وعرقاً ودماً. لا يستكثروا عشر سنوات في تاريخ وطن ومجتمع وشعب، ولا يستكثروا الشهداء والتضحيات، فهي ليست كثيرة في تاريخ شعب ووطن وأمة تتطلع إلى استقلالها وحريتها وأمنها وتطورها ومستقبلها”.
ولعلَّ قدر “القوات” أن تبقى حاملة هذه المسؤولية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]